تحليل

العزوف السياسي… حين يصمت الصندوق ويتكلم المعنى

ابوبكر الفقيه التطواني

ليست أخطر لحظة في الحياة السياسية هي تلك التي ترتفع فيها الأصوات، بل تلك التي ينخفض فيها الإقبال. حين يتراجع الحضور إلى صناديق الاقتراع، لا يكون الأمر مجرد رقم انتخابي عابر، بل إشارة عميقة إلى أن شيئاً ما في العلاقة بين المواطن والسياسة لم يعد يعمل بالحرارة نفسها. العزوف ليس فراغاً؛ إنه خطاب صامت. إنه سؤال يُطرح بلا شعارات: ما الذي يجعل المشاركة أقل إقناعاً من الغياب؟

النقاش العمومي اليوم يتعامل مع الظاهرة وكأنها مشكلة تعبئة أو تحفيز، بينما جوهرها أعمق بكثير. المسألة ليست في قدرة الأحزاب على الحشد، ولا في كثافة الحملات، بل في معنى الفعل السياسي ذاته. حين تتكرر الوعود بصيغ مختلفة لكن بإحساس متشابه، وحين تبدو البرامج وكأنها تعيد ترتيب العبارات أكثر مما تعيد ترتيب الأولويات، يبدأ الشعور بأن السياسة تعرض نفسها أكثر مما تُغيّر الواقع. الكلمات تبقى، لكن أثرها يتراجع. الخطاب يستمر، لكن الثقة تتآكل بهدوء.

في العمق، يعيش المواطن مفارقة زمنية حادة: حياته اليومية تسير بإيقاع سريع، ضغوط معيشية متصاعدة، تحولات اقتصادية وثقافية متلاحقة، بينما يتحرك القرار العمومي بمنطق التدرج والحسابات المعقدة. هذا الفارق بين زمن الانتظار وزمن الاستجابة يولد توتراً صامتاً. ومع كل خيبة صغيرة، تصبح الثقة أكثر كلفة، ويصبح الامتناع عن المشاركة خياراً عقلانياً في نظر كثيرين: ليس رفضاً للسياسة، بل تحفّظاً على جدواها.

هناك أيضاً مسألة الصورة. السياسة لا تُدرك فقط عبر القرارات، بل عبر المشهد الذي تصنعه: لغة متداولة، وجوه مألوفة، طقوس انتخابية تتكرر. وحين يتشابه المشهد عبر الزمن، يفقد عنصر المفاجأة، ويتحول التنافس إلى طقس متوقع. في هذه اللحظة، لا يتساءل المواطن عمن سيفوز فقط، بل عمّا إذا كان فوزه سيُحدث فرقاً حقيقياً. فإذا غاب الفرق، غاب الدافع.

ومع ذلك، من الخطأ قراءة العزوف كبرود مدني. فالحساسية تجاه الشأن العام لم تختفِ؛ بل ربما ازدادت. القلق حول العدالة الاجتماعية، جودة الخدمات، فرص الشغل، التعليم والصحة، حاضر بقوة في النقاشات اليومية. لكن هذا القلق لا يجد دائماً قناته الطبيعية داخل العملية الانتخابية. فينشأ الانفصال: اهتمام مرتفع بالقضايا، وثقة منخفضة في الآلية.

العزوف، بهذا المعنى، ليس أزمة مشاركة فقط، بل أزمة معنى. إنه اختبار لقدرة السياسة على أن تكون أكثر من خطاب، وأكثر من تنافس رمزي. استعادة الاهتمام لا تمر عبر دعوات أخلاقية أو شعارات تحفيزية، بل عبر إعادة بناء العلاقة بين الوعد والنتيجة. عندما يشعر المواطن أن صوته ليس إجراءً شكلياً بل رافعة تغيير، تعود المشاركة تلقائياً إلى موقعها الطبيعي.

أخطر ما في العزوف أنه هادئ. لا يصرخ ولا يحتج، بل ينسحب. لكنه في انسحابه يضع السياسة أمام مرآتها: هل ما تزال قادرة على الإقناع؟ هل تقدم اختلافاً حقيقياً؟ هل تربط القرار بحياة الناس اليومية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة لا تحدد نسبة المشاركة فقط، بل تحدد مستقبل الثقة ذاته.

فحين يصمت الصندوق، لا يعني ذلك أن المجتمع صامت. بل يعني أن السياسة مطالبة بأن تسمع ما يقوله الغياب.