أظن أن الخطأ الأكثر شيوعا في قراءة دعم جمهورية مالي أو غيرها من البلدان الإفريقية لمخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب، هو اعتبار مثل هذه الخطوات “انتصارا سياسيا” بالمعنى الدعائي. بينما الواقع أدقّ: نحن أمام نتيجة لمسار تراكمي اشتغل على ثلاثة مستويات متداخلة—إعادة هندسة البيئة الإفريقية، تثبيت مصداقية المقترح المغربي، وتحويل كلفة الاعتراف بالكيان الانفصالي إلى عبء على من يحمله.
الدبلوماسية المغربية لم تعد تتحرك داخل ردود الأفعال، بل اشتغلت على “تكييف الحقل”. العودة إلى الاتحاد الإفريقي لم تكن خطوة رمزية، بل كانت استعادة لمسرح التأثير. داخل هذا المسرح، لم يعد النقاش يدور حول “وجود نزاع” بقدر ما انتقل إلى “أيُّ حلّ هو قابل للتطبيق”.
هذا التحول في صياغة السؤال هو مكسب استراتيجي بحد ذاته: من يحدد السؤال، يحدد حدود الإجابة.
في إفريقيا اليوم، الخطاب وحده لا يصنع الاصطفاف. ما يصنعه هو شبكة المصالح: استثمارات، بنى تحتية، تعاون أمني، وتكوين بشري.
المغرب بنى عرضا متكاملا—ليس موقفا فقط—يجعل كلفة الاصطفاف ضده أعلى من كلفة دعمه. بالنسبة لدولة مثل مالي، التي تواجه تحديات أمنية مركبة في الساحل، يصبح معيار الاختيار واضحا: من يقدم حلولا عملية، لا من يقدم سرديات و بيزنطيات دونكيشوتية.
الانتصارات الدبلوماسية لا تتحقق فقط بتقوية موقعك، بل أيضا بتفكيك رواية الخصم. خلال السنوات الأخيرة، تراجعت قابلية تسويق “الدولة الافتراضية” في بيئة دولية تُعلي من معيار السيادة الفعلية والقدرة على الضبط الترابي.
هذا لا يحدث بخطاب مباشر، بل عبر تراكم: قرارات دولية، فتح قنصليات في الأقاليم الجنوبية، وانخراط دول مؤثرة في مقاربة الحكم الذاتي كحل واقعي. النتيجة: الاعتراف بالكيان الانفصالي لم يعد موقفا محايدا، بل أصبح عبئا سياسيا يحتاج إلى تبرير.
المغرب لم يكتف بالاستناد إلى قرارات الأمم المتحدة، بل أعاد تأويلها عمليا. بدل الاكتفاء بمرجعية “المسار الأممي”، تم دفع هذا المسار نحو سقف محدد: حل سياسي واقعي، دائم، وقابل للتوافق.
عندما يتكرر هذا التوصيف في قرارات مجلس الأمن، تتحول اللغة إلى معيار قياس. وكل موقف لا ينسجم معه يبدأ في فقدان شرعيته بالتدريج.
الدبلوماسية الناجحة لا تبحث عن لحظة انتصار، بل تصنع مسارا يجعل النتيجة شبه حتمية.
قرار مالي ليس مفاجأة؛ هو حلقة ضمن سلسلة: كل سحب اعتراف يُعيد توزيع الكلفة على من تبقى، وكل دعم لمقترح الحكم الذاتي يرفع عتبة “المعقول الدولي”. بمرور الوقت، يصبح التمسك بالمواقف القديمة أكثر كلفة من مراجعتها..
يجب أن يفهم هذا القرار كجزء من إعادة التوازن داخل إفريقيا لصالح مقاربة مغربية نجحت في الجمع بين الشرعية القانونية، الفعالية الميدانية، وشبكات المصالح.
الانتصار هنا ليس في “عدد الدول” التي تغير موقفها، بل في تغيير قواعد اللعبة نفسها: من صراع حول الاعتراف، إلى توافق متنام حول الحل.
في الدبلوماسية، حين يصبح موقفك الأقل كلفة للآخرين، لن تحتاج للاحتفال، فهم سيعيدون التموضع لصالحك تدريجيا... "سياسة كلس وتفرج".. وديما مغرب.






