سياسة واقتصاد

صورة مختصرة لوضع إيران بعد 38 يوم حرب !

نور الدين اليزيد (صحفي)

بعيدا عن التعاطي العاطفي والانتصار للاصطفاف المؤدلج والتبني السهل لـ"تكفير" الآخر و"صهينته"، وبعيدا عن رفع شعارات النصر الجوفاء المدغدغة للمشارع الفارغة من أي محتوى موضوع، دعونا نقدم قراءة موجزة لأبرز مخلفات الحرب الأمريكية الإSرائيلية ضد إيران، التي استمرت 38 يومًا قبل أن تتوقف في هدنة مؤقتة وإن كانت هشة وتشي باحتمال العودة إلى التأجيج، ما لم تحصل أمريكا ومن ورائها إSرائيل على ما يريدان:

أولا/ على المستوى السياسي: إضافة طبعا إلى اغتيال عدد هائل من القادة الإيرانيين وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، مما أظهر النظام الملالي وكأنه قاب قوسين أو أدنى من الزوال، في غياب هياكله المؤثرة طيلة فترة الحرب، فإن هذه الأخيرة أسقطت أيضا الجدار الذي ظل نظام طهران يتوارى من خلفه متجنبا الحروب المباشرة والاكتفاء بتحريك من خلف ستار وكلائه بالمنطقة؛ 

ثانيا/ على المستوى الدبلوماسي: علاوة على اشتداد القطيعة بين إيران والغرب، وكذا تأزم العلاقات بين إيران وجيرانها على الضفة الغربية، سواء بسبب استعمال مضيق هرمز كورقة حرب/ابتزاز، أو على إثر العدوان على دول الخليج العربي، فإنه كان من اللافت التواري الفج لكل من الصين وروسيا حليفي إيران الاستراتيجيين، بغض النظر عما كشفت عنه بعض التقارير غير المؤكدة من أن كلا من موسكو وبيكين قدمتا مساعدات استخباراتية لإيران خلال فترة الحرب. كل هذا أظهر إيران وكأنها منبوذة من قبل الجميع، وحتى إقليميا ظهرت الأصوات الحليفة لها (الجزائر مثلا) جد خافتة ولا تتبنى موقفا واضحا مؤيداً لها. 

ثالثا/ اقتصادياً: زادت الحرب من معاناة الاقتصاد الإيراني وذهابه إلى سقوط حر مُدوٍّ في ظل تراجع رهيب للعملة الوطنية (الريال) أمام الدولار، وتفاقم التضخم ورفع أسعار السلع الأساسية. وما زاد الوضع تأزما هو نزيف خزينة الدولة أمام التكلفة الباهظة للحرب سواء فيما يتعلق الإنفاق على الجيش والعتاد، أو فيما يخص ضمان حاجيات السوق المحلية من مواد أساسية للمواطنين.

رابعا/ على المستوى الجيوسياسي: لا شك أن الحرب كرست وستكرس التراجع الاضطراري لإيران إلى الخلف وانسحابها كليا أو جزئيا من ساحات ظلت لسنوات بمثابة جبهات متقدمة تمارس فيها فعل التوسع والتمدد؛ وإذا كان تواجدها في الساحة العراقية ما يزال يتميز ببعض الوهج، فإن انسحابها من سوريا كان دراماتيكيا كما تابع الجميع في ديسمبر 2024 بسقوط نظام بشار الأسد. كما أن الضربات الموجعة التي تلقاها "حزب الله" اللبناني الذراع الطولى التي كانت تبطش بها طهران الدولةَ العبرية وتؤرقها بها، جعلته يفقد الكثير من وهجه وقوته، ويزداد وضعه تأزماً وتضييقا في ظل تصاعد الأصوات اللبنانية الداعية إلى نزع سلاحه، وهو ما تكرس أكثر في ظل الحرب الحالية. أضف إلى ذلك خفوت حماسة وكلاء الإيرانيين في اليمن، الحوتيين، الذين بدا موقفُهم من حرب الـ38 يوما وكأنه موقف المفجوعين وهم يتابعون راعيتهم إيران وهي تتلقى الضربات الموجعة في العمق الإيراني، بينما تعلن الأخبار عن تدمير منظومتها الصاروخية وبوارجها البحرية ومصانع ذخيرتها الواحدة تلو الأخرى. هذا علاوة على ما خلفته الحرب الإSرائيلية على غZة من خسائر فادحة في صفوف حلفاء إيران هناك على مستوى العتاد والرجال/القادة.  


على سبيل الختم:

إذا أضفنا هذه المعطيات إلى معطى دمار البنية التحتية الإيرانية بما في ذلك بعض البنية الطاقية، فإن الوضع بإيران يصبح كارثيا بالمعنى الحرفي للكلمة، وأن استعادة إيران أولا عافيتها الاقتصادية والسياسية تتطلب سنوات، سيحاول النظام ما أمكن لملمة جراحه ورص صفوفه ويُمني النفس بأن لا يرتد عليه الوضع المتدهور داخليا فتقوم قيامة الشعب المتأزم وضعُه ويطيح بما لم تستطع صواريخ وقنابل أمريكا وإSرائيل الإطاحة به وهو النظام !!