سياسة واقتصاد

ملاحظات على هامش الوطن (جزء 2) السياسة... الحلقة الثالثة: هل خرجت السياسة من مركز السلطة؟

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

ما يثير انتباهي في المغرب اليوم ليس ضعف السياسة، بل تغير وظيفتها. لم تعد السياسة هي المجال الذي يُنتج فيه القرار، بل المجال الذي يُعلن فيه القرار، هذا الفرق، رغم بساطته الظاهرية، يغير كل شيء.

في النموذج الكلاسيكي، الأحزاب تتنافس من أجل الوصول إلى السلطة، لأن السلطة هي التي تصنع القرار. الوصول إلى الحكومة يعني امتلاك القدرة على تحديد الأولويات، وتوجيه الموارد، وصياغة الاختيارات. كانت السياسة، بهذا المعنى، طريقا إلى مركز الفعل.

اليوم، لم يعد هذا الترابط واضحا بنفس الدرجة، الحكومات تتغير، لكن الاتجاه العام يستمر. الخطابات تختلف، لكن السياسات الكبرى تظل ضمن نفس الأفق. لا يتعلق الأمر بتشابه الأشخاص، بل بثبات البنية. كأن القرار أصبح يوجد في مكان أكثر استقرارا من السياسة نفسها.

تدريجيا، بدأت ألاحظ أن السياسة لم تعد تنتج القرار، بل أصبحت تتكيف معه، لم تعد لحظة الانتخابات لحظة تأسيس، بل لحظة توزيع أدوار. ولم يعد الصراع الحزبي صراعا حول من يحدد المسار، بل حول من يدبر مرحلة منه، هذا التحول لا يعني أن السياسة بلا دور، بل يعني أن دورها تغير في العمق، السياسة اليوم تمنح الشرعية، لكنها لا تنتج دائما الاتجاه.

وهنا تحديدا، لم تعد السلطة تُختزل في السياسة، جزء منها أصبح يوجد في مكان آخر: في منطق الدولة نفسها، في استمراريتها، في مؤسساتها التي لا تخضع للإيقاع الانتخابي، وفي شبكة القرارات التي تُبنى على المدى الطويل.

هذا لا يشكل استثناء مغربيا خالصا. كثير من الدول التي بلغت درجة معينة من الاستقرار تعرف هذا التحول، حيث تصبح السياسة أقل ارتباطا بتحديد الاتجاه، وأكثر ارتباطا بضمان استمراره.

لكن أثر هذا التحول يظهر بوضوح في علاقة المواطن بالسياسة.

حين لا يرى المواطن أن السياسة تملك القدرة الكاملة على تغيير المسار، يعيد تعريف موقعها في وعيه. لم تعد السياسة، بالنسبة له، مركز السلطة، بل أحد تعبيراتها.

وهنا يتغير معنى التنافس نفسه، لا يعود التنافس حول من يملك السلطة، بل حول من يشارك فيها. هذا هو التحول الحقيقي، السياسة لم تختف..لكنها لم تعد المركز الذي تبدأ منه السلطة..بل أصبحت أحد الأماكن التي تمر عبرها..