هذا المقال غير موجه لأي كان، بل إنه غير موجه حتى للرد على الأستاذ حكيم بنشماش، الذي كان دافعا إليه، ما عدا في نقاش فكرتيه الأساستين، شرعية الإنجاز وارتباطها بالعقل السيادي للدولة في مواجهة النخب الوسيطة، ما يعني في الأول والأخير أنه مساهمة متواضعة أو أقل من ذلك، لنقاش ما جاء في مقال أستاذنا الصديق حكيم بنشماش، لا أقل ولا أكثر...
ينطلق المقال الذي الثلاثاء أمس في جريدة "هسبريس" من وضع عدد من الثنائيات التي اعتبرها صاحب البيان، أو خلص أنها متضادة، (المغرب، الذي يشد أنظار العالم بمساحات استثناء، مقابل مغرب ثان يرزح تحت وطأة سحق ممنهج للآمال وامتهان يومي للكرامة أمام أبواب موصدة، الإرادة السيادية مقابل الوسائط السياسية، شرعية الإنجاز مقابل فرملة الفرص والطموح.....)
يخلص الأستاذ حكيم بنشماس إلى أن الدولة تضم الآن بنيتين أولا بنية مبنية على ما سماه "شرعية الإنجاز" وطبعا هي التي حققت مغرب "مساحات الاستثناء التي عددها كاتب المقال، في الصناعات والطاقات والتدبير الاستباقي للكوارث وتنظيم الكان، والانجاز السريع للمشاريع، والذي برهن على جنيات سرعة مذهلة، وبنية ثانية تتعلق هذه المرة ببنية وسيطة هي الأحزاب السياسية، ومعتبرا أن البنية الأخيرة معطلة للبنية الأولى ما لم تتدخل الأخيرة، "لأنه لم يعد في الإمكان، أن تكتمل شرعية الانجاز، ما لم يتم تحرير المسار الوطني من فرامل أحزاب تحولت من جسور للتمكين والبناء إلى أدوات للهدر والردم".
يخلص حكيم بنشماس أيضا إلى أن الأحزاب غير قادرة على حوار الدولة في شرعية الإنجاز، وبالتالي فهي تتحمل ما يقع في المغرب الثاني الذي توصد فيه الأبواب.
لهذا يعتبر الكاتب أن الاحزاب تحولت لوكالات انتخابية تفتقر إلى أي مشروع مجتمعي، ومن المحال أن يكون بمقدروها أن تنتج أرقى مما تضعه الدولة من خطط وبرامج، لهذا فإن هناك حاجة ملحة لحماية الزمن السيادي للدولة من هدر الفرص، لأن الشعب بات يرى في ايقاع الدولة السيادي ملاذه الوحيد، وهو ما يضع العقل المدبر للدولة أمام مسؤولية استثمار الهوامش الدستورية لمعالجة هذا الترهل.
أعتقد أن هذا التحليل يضع كاتبه في تناقض أول بين الموقف الشخصي ومضمون الدعوة، فبنشماس الذي خاطب بقسوة «النخب الوسيطة» و«زواج المال بالسلطة» الذي حوّل الأحزاب إلى كارتيلات، هو نفسه محاصر بتاريخه القريب الذي شغل فيه مناصب قيادية عليا في حزب الأصالة والمعاصرة ورئاسة مجلس المستشارين، فضلا عن رئاسة جماعة ترابية، باسم هذه الهيئات الوسيطة، ولا يتضمن المقال أي إشارة ذاتية إلى مسؤوليته السابقة أو تقييم لتجربته الشخصية، مما يضعف مصداقية النداء كدعوة للإصلاح الذاتي، لأن بنشماس لم يعر اهتماما في مقاله لهذه التجربة، وحتما لأنه يعلم محدودية تحرك البنية الوسيطة اتجاه البنية المقابلة، في نفس الصدد لم يذكر بنشماس ما إن كانت المسافة الفاصلة بين تراجعه عن الحياة السياسية وكتابة المقال حاسمة في الموقف، أو أن هذه البنيات الوسيطة تدهورت عما كان عليه الحال في زمن قيادته لإحدى هاته البنيات.
هناك تداخل ثاني عند الحديث عن شرعية الإنجاز المنسوبة طبعا للدولة، فنحن نتحدث عن رضى مجتمعي عن منحز، تم في ظروف قياسية واستجاب لحاجات مجتمعية معينة وملحة، وهذا طبعا ما عبر عنه الاستاذ بنشماس بحديثه عن المساحة الاستثنائية التي يشغلها المغرب حاليا في عدد من الأوراش، طبعا الحديث عن المنجز وعن شرعية المنجز يقتضي امرين أولهما قياس رضى المجتمع عن المنجز للحديث عن شرعيته، وهذا ما خلصت إليه نقاشات خاضها رجال دولة مفادها أن المواطن في الرباط يجب يشعر ويحس بأن اثر ملعب مولاي عبد الله يجب أن يكون بنفس أثره في بركان أو غيرها….هل هذا هو الحاصل…؟ الأمر الثاني في الحديث عن شرعية المُنجز، هو الحديث عن بنية تقنية للدولة، هذه البنية هي فعلا رأس الرحى في الإنجاز، لأنها بامكانيات لا متناهية، صلاحيات بنفس المدى وأطر حكر للدولة…هل يتوفر هذا للبنيات الوسيطة؟ الجواب لكم….
شق آخر لا بد من نقاشه بكل شفافية، مادام أن الأستاذ العزيز حكيم بنشماس دعا لحوار مجتمعي صريح حول أدوار الأحزاب، وهذا الشق يتركز في سؤال عريض واسع وربما طرحه كل فاعل سياسي أو نقابي أو حتى إعلامي وهو المتعلق بحدود مسؤولية البنية التي تحتكر اليوم " شرعية المنجز" في اندحار البنيات الوسيطة ونتحدث عن الأحزاب كما النقابات كما جمعيات المجتمع المدني كما الإعلام….والسؤال ينطلق من الشك في براءة الدولة من ذلك…
الحديث أبضا عن المشرط السيادي للقيام بالعمليات الجراحية اللازمة، تقتضي الوقوف عند تناقض ثاني في "مانيفستو" حكيم بنشماس، وهو الحاصل بين تركيزه على الحفاظ على التعددية الدستورية والدعوة للتدخل السيادي: يؤكد البيان مراراً أنه لا يدعو إلى تقويض التعددية أو إجهاض أحكام الدستور، بل إلى «إيقاظ روح الدستور». غير أنه يطالب في الوقت ذاته بـ«جراحة سيادية» و«استئصال أورام» عبر «العقل السيادي» عندما تعجز «الشرعية الإجرائية» (صناديق الاقتراع) عن إنتاج «شرعية الإنجاز». هذا يثير تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن لتدخل سيادي يتجاوز الأحزاب أن يحافظ على التعددية دون أن يُفسر كتراجع عن الاختيار الديمقراطي الذي يصفه البيان نفسه بأنه «لا رجعة فيه»؟ ثم إنه عندما يدعو إلى الانحياز لديمقراطية النتائج التي يشعر بها المواطن، لا يقترح سوى تدخل سيادي غامض، مبهم، ودون جراح واضح بل ودون أي دور واضح للمجتمع المدني أو آليات رقابة شعبية، أو إصلاح انتخابي ملموس. هكذا يبقى الحل «سيادياً» أكثر مما هو ديمقراطياً بالمعنى المؤسساتي.
هناك تناقض آخر بين الدعوة لـ«سرعة واحدة» والسياق الفردي للبيان، الذي يطرح «مغرب السرعة الواحدة» كعقد اجتماعي جماعي، يرعاه العقل السيادي الدولة، لكن الواقع الذي لا نختلف حوله هو أن البيان صادر عن شخصية سياسية منفردة بعد فترة غياب، ودون إطار حزبي أو ائتلافي أو نقاش عمومي سابق. هذا يجعل النداء يبدو، في جزء منه، تعبيراً ربما عن إحباط فردي، اتجاه هيئة سياسية كان ينتمي إليها صاحب المقال أكثر منه مشروعاً وطنياً موحداً.






