مع انطلاق اللقاءات التشاورية للتحضير للمناظرة الوطنية لمؤسسات الشباب التي أطلقتها وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الشباب، يتجدد النقاش داخل الأوساط التربوية والجمعوية حول مستقبل هذه المؤسسات التي شكلت، لعقود طويلة، إحدى أهم البنيات العمومية الموجهة لتأطير الطفولة والشباب. غير أن هذا النقاش، الذي يتخذ اليوم طابعا مؤسساتيا، يطرح في عمقه أسئلة حارقة حول معنى هذه المؤسسات، وأدوارها التاريخية، وموقعها في السياسات العمومية، ورهاناتها المستقبلية في مجتمع يعرف تحولات عميقة ومتسارعة.
فهل تشكل المناظرة الوطنية لمؤسسات الشباب مجرد محطة تقنية لتشخيص وتقييم وضعية دور الشباب ومراكز الاستقبال ومخيمات الاصطياف، أم أنها لحظة فكرية لإعادة طرح السؤال الجوهري: ما هي الوظيفة المجتمعية لمؤسسات الشباب في مغرب اليوم والغد؟
إن استحضار تاريخ هذه المؤسسات يفتح الباب أمام تساؤل أولي وأساسي:
كيف نشأت مؤسسات الشباب في المغرب؟
وهل كانت في بداياتها مجرد فضاءات للأنشطة الترفيهية والثقافية، أم أنها جاءت في سياق مشروع مجتمعي أوسع هدفه بناء الوطن والمواطن وإرساء ثقافة المشاركة والوعي الجماعي لدى الأجيال الصاعدة؟
لقد شكلت دور الشباب، منذ عقود، فضاءات حية للحركة الثقافية والتربوية، واحتضنت تجارب جمعوية وإبداعية أسهمت في تشكيل جزء مهم من الوعي الثقافي والاجتماعي و السياسي للشباب المغربي. غير أن التحولات التي عرفها المجتمع، والتغيرات التي مست أنماط التنشئة والتواصل، تطرح اليوم سؤالا جديدا:
هل ما تزال هذه المؤسسات قادرة على مواكبة التحولات الثقافية والتكنولوجية التي يعيشها الشباب؟
وإذا كانت المناظرة الوطنية تسعى إلى التفكير في مستقبل هذه المؤسسات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو:
ما هو الموقع الحقيقي لمؤسسات الشباب داخل البرامج والسياسات العمومية بالمغرب؟
هل يتم النظر إليها باعتبارها رافعة أساسية للتنمية البشرية والاستثمار في الرأسمال البشري، أم أنها ما تزال تعامل في كثير من الأحيان كقطاع هامشي داخل منظومة السياسات العمومية؟
هذا السؤال يقود بدوره إلى تساؤل أعمق يتعلق بطبيعة الرؤية الاستراتيجية الموجهة للشباب:
هل يتوفر المغرب اليوم على سياسة عمومية مندمجة للشباب قادرة على توحيد تدخلات القطاعات المختلفة، أم أن قضايا الشباب ما تزال موزعة بين برامج قطاعية متفرقة تفتقد إلى رؤية شمولية؟
إن تجربة الاستراتيجية الوطنية المندمجة للشباب، التي راهنت في وقت سابق على بلورة تصور مندمج لقضايا الشباب، تطرح بدورها مجموعة من الأسئلة النقدية:
لماذا لم تحقق هذه الاستراتيجية النتائج المنتظرة؟
وهل كان الإشكال مرتبطا بضعف الإمكانات، أم بغياب آليات التنسيق بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين، أم بضعف إشراك المجتمع المدني في بلورة السياسات الموجهة للشباب؟
ومن زاوية أخرى، تطرح المناظرة الوطنية سؤال العدالة المجالية في توزيع مؤسسات الشباب:
كيف يمكن تفسير التفاوت الكبير بين الجهات والأقاليم في ما يتعلق بالبنيات التحتية الشبابية؟
ولماذا ما تزال بعض المناطق القروية والهامشية تعاني خصاصا واضحا في مؤسسات الشباب والفضاءات الثقافية، في حين تتوفر مناطق أخرى على عدد أكبر من هذه المؤسسات؟
إن هذا الواقع يفتح بدوره نقاشا حول مفهوم تكافؤ الفرص بين الشباب المغاربة، ويطرح سؤالا جوهريا:
هل يمكن الحديث عن سياسة شبابية عادلة دون ضمان توزيع متوازن لمؤسسات الشباب عبر مختلف المجالات الترابية؟
كما تطرح المناظرة سؤالا آخر لا يقل أهمية يتعلق بــ الرأسمال البشري داخل هذه المؤسسات:
ما هو موقع الأطر التربوية والعاملين بمؤسسات الطفولة وةالشباب داخل مشروع إصلاح هذه المؤسسات؟
وهل يمكن الحديث عن تجديد أدوار مؤسسات الشباب دون إعادة الاعتبار للعنصر البشري الذي يشكل روحها الحقيقية؟
إن تحسين ظروف العمل، وتوفير التكوين المستمر، وتمكين الأطر من الوسائل البيداغوجية الحديثة، يظل أحد الشروط الأساسية لأي إصلاح حقيقي، لأن المؤسسات لا يمكن أن تؤدي وظائفها المجتمعية دون موارد بشرية مؤهلة ومتحفزة.
وإلى جانب الرأسمال البشري، يبرز سؤال الرأسمال المالي باعتباره أحد التحديات الكبرى أمام تطوير مؤسسات الشباب:
كيف يمكن تعبئة الموارد المالية الكفيلة بضمان استمرارية هذه المؤسسات وتأهيلها؟
وهل تكفي الميزانيات العمومية وحدها لتغطية حاجيات دور الشباب ومراكز الاستقبال ومخيمات الاصطياف، أم أن الأمر يتطلب التفكير في نماذج جديدة للشراكة بين الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص؟
كما تطرح المناظرة تساؤلات حول النموذج المؤسساتي لمؤسسات الشباب في المستقبل:
هل سيظل نموذج دور الشباب بصيغته التقليدية قادرا على الاستجابة لتطلعات الشباب؟
أم أن المرحلة تفرض التفكير في مؤسسات متعددة الوظائف تجمع بين التكوين الثقافي والرقمي والرياضي والاجتماعي، وتفتح آفاقا جديدة أمام الإبداع الشبابي؟
وفي هذا السياق، يبرز سؤال آخر يتعلق بدور المجتمع المدني:
ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الجمعيات التربوية والثقافية في إعادة الاعتبار لمؤسسات الشباب؟
وهل سيتم إشراك الحركة الجمعوية كشريك حقيقي في تدبير هذه الفضاءات، أم سيظل دورها محصورا في تنفيذ بعض الأنشطة الظرفية؟
غير أن السؤال الأكثر عمقا يظل مرتبطا بالرهان الحضاري لمؤسسات الشباب:
ما الذي نريده فعلا من هذه المؤسسات؟
هل نريدها فضاءات للترفيه فقط، أم فضاءات لبناء الإنسان وتنمية الحس النقدي وترسيخ قيم الديموقراطية والمواطنة والحرية والمسؤولية؟
إن مستقبل مؤسسات الشباب يرتبط في النهاية بالسؤال الأكبر المتعلق بمشروع المجتمع نفسه:
أي مجتمع نريد أن نبنيه؟
وهل يمكن الحديث عن تنمية مستدامة دون الاستثمار الحقيقي في الشباب، باعتبارهم القوة الحية القادرة على صناعة المستقبل؟
من هنا تبدو المناظرة الوطنية لمؤسسات الشباب أكثر من مجرد لقاء مؤسساتي؛ إنها فرصة تاريخية لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول موقع الشباب في المشروع المجتمعي المغربي، وحول الدور الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات الشباب في بناء مجتمع أكثر انفتاحا.
فهل تنجح هذه المناظرة في بلورة رؤية جديدة تعيد الاعتبار لمؤسسات الشباب، وتضعها في قلب السياسات العمومية؟
أم أنها ستظل محطة عابرة في مسار طويل من النقاشات المؤجلة حول مستقبل الشباب المغربي؟
إن الجواب عن هذه الأسئلة سيحدد، إلى حد بعيد، ملامح العلاقة بين الدولة والشباب في السنوات المقبلة، كما سيكشف عن مدى قدرة الدولة والمجتمع على تحويل مؤسساتهم الشبابية إلى فضاءات حقيقية لصناعة الأمل وبناء المستقبل.
سعيد العزوزي






