ففي الوقت الذي كانت فيه هذه القضية تشكل، تاريخياً، قضية مركزية في الخطاب السياسي العربي والإقليمي، باتت اليوم موضوعاً يُتعامل معه بكثير من الحذر والتردد والخوف. العديد من الحكومات أصبحت تحرص على مقاربة المسألة الفلسطينية بحسابات دقيقة ومتحفظة، فيما اختارت حكومات أخرى النأي بنفسها عن كل ما هو فلسطيني، وكأنها تسعى إلى تجنب كلفة سياسية أو استراتيجية قد تترتب عن الانخراط في هذا الملف. أما الخطاب الذي أصبح مهيمناً في كثير من العواصم، فيدور حول ضرورة إبقاء الدول بعيدة عن الصراعات المتفجرة في المنطقة، والالتزام بما يشبه الحياد، وعدم “حشر الأنف” في أزمات وحروب قد تكون نتائجها غير محسوبة.
غير أن هذه التنازلات السياسية، وما رافقها من مواقف حذرة بل ومرتبكة أحياناً أمام جبروت القوة، لم تعد كافية بالنسبة لإسرائيل. فهذه الأخيرة تخوض اليوم حرباً مدمرة، تكاد تكتسب في خطابها الداخلي والسياسي طابعاً “مقدساً”، بدوافع عرقية ودينية، هدفها المعلن أو الضمني هو تركيع دول الشرق الأوسط والخليج وإرغامها على القبول بالعقيدة الإسرائيلية التوسعية، والتسليم بها كأمر واقع لا يمكن مقاومته.
ويزداد هذا المسار خطورة في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية التي يقودها بنيامين نتنياهو، وهي حكومة تضم طيفاً واسعاً من غلاة اليمين المتطرف والمتشددين، الذين وجدوا في الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أفضل حليف لإسرائيل منذ تأسيسها. فترامب، بنزعته الإمبراطوريةونرجسيته المتضخمة، وتشربه بثقافة الانتقام، وشعوره الدائم بامتلاك فائض من القوة، وتباهيه بقيادة أقوى جيش في العالم وأقوى اقتصاد وأقوى أجهزة استخبارات، تحول إلى المظلة السياسية والدبلوماسية والعسكرية الضامنة لإسرائيل.
وفي ظل هذه العلاقة الاستثنائية، بدا أن واشنطن منحت تل أبيب هامشاً واسعاً من الحركة، إلى درجة أن إسرائيل استطاعت جرّ الإدارة الأمريكية إلى أخطر مواجهة عسكرية تخوضها في المنطقة، أي الحرب ضد إيران، وهي حرب لا تبدو لها مبررات واضحة في إطار القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة، بل تمثل في جوهرها خرقاً سافراً لقواعد الشرعية الدولية.
في هذا السياق، تشظى المشهد الإقليمي بصورة مأساوية. فكل حكومة أو مشروع سياسي في المنطقة — وخاصة في لبنان — لا تعترف به واشنطن أو تل أبيب، يُعامل باعتباره عدواً، ويوضع في خانة “الخطر الوجودي” على إسرائيل. ولا يعود الأمر هنا مجرد تعبير عن وحدة أهداف أو مشتركات استراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بل يبدو أن السبب الأعمق يكمن في طبيعة المشروع الإسرائيلي نفسه، الذي اتخذ في السنوات الأخيرة مسارات أكثر خطورة، مدمراً كل قواعد الاشتباك والصراع التي كانت سائدة في المنطقة لعقود.
هذا التحول ظهر بوضوح منذ الحرب الأخيرة على غزة، وهي حرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية أعادت تشكيل قواعد الصراع. فهذه الحرب دفعت المنطقة كلها إلى التموضع بين مشروعين متناقضين: مشروع لا يمكن أن ينتصر إلا بهزيمة المشروع الآخر وإنهائه. وهكذا تحولت المنطقة إلى ساحة صراع وجودي مفتوح، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الرهانات الجيو-سياسية الكبرى.
لكن هذا المشهد، الذي بات محدداً بالحروب والصراعات، لا يمكن فصله عن بعد إنساني وأخلاقي وقانوني بالغ الخطورة، يتعلق أولاً وقبل كل شيء بمصير المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر لهذه الحروب. ويكفي هنا التوقف عند الأعداد الهائلة من الشهداء المدنيين في فلسطين أولاً، ثم في لبنان، لنفهم حجم المأساة التي تتكشف يوماً بعد يوم.
والأخطر من ذلك أن جرائم الإبادة والتدمير وقصف الأهداف المدنية — بما في ذلك الأبراج السكنية — لم تعد مجرد “أخطاء” في سياق العمليات العسكرية، بل تحولت إلى سياسة معلنة. فالقصف الذي يطال حاليا عمق العاصمة اللبنانية بيروت، بتزامن مع القصف الهمجي والمتوحش للضاحية الجنوبية، تمهيدا لعملية عسكرية برية كبيرة ربما للإستيلاء مرة أخرى على جنوب لبنان. أقول:،إن هذا القصف يكشف أن الإبادة باتت تُنفذ بقرار رسمي إسرائيلي. والأكثر فداحة أن هذا القرار يقابله، عملياً، قرار دولي غير معلن بالصمت واللامبالات.
ففي مقابل هذه الجرائم، لا يظهر في المشهد الدولي سوى صمت ثقيل، ترافقه حملات تهويل وترهيب لكل من يرفض أو يستنكر أو يندد بما يحدث. وكأن المعادلة التي تفرضها إسرائيل على المنطقة تقول بوضوح: ما لا يتحقق بالحرب يتحقق بمزيد من دماء المدنيين. فإذا قاومتم، فسنقتل أهاليكم وأطفالكم ونساءكم، وسندمر قراكم ومدنكم، وسنقذف بهذه الكرة الملتهبة في وجه العالم تحت ذريعة “حماية المدنيين”.
و بموازاة ذلك، تمارس حكومة نتنياهو المتطرفة ضغوطا وابتزازات سياسية على عدد من الحكومات، بهدف دفعها إلى تبني السردية الإسرائيلية أو على الأقل عدم معارضتها. وهي سياسة يرى عدد من المراقبين والمختصين أنها ستقود، لا محالة، إلى ما بدأ يتشكل بالفعل من مواقف متجاذبة ومتصارعة داخل بعض الدول، وعلى رأسها لبنان.
ففي هذا البلد الذي يقف اليوم في قلب العاصفة، بدأت ترتفع أصوات تطالب بما يطالب به الكيان الإسرائيلي، مستخدمة خطاباً لا تغيب عنه مفردات “الوطن” و”السيادة”. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذه المفردات تُرفع في منطقة استُبيح فيها الوطن والإنسان والأرض والتاريخ والقيم والعلاقات.
لقد وصل المشهد إلى درجة بات معها كل شيء تقريباً في حاجة إلى إعادة تعريف وتفسير: معنى الوطن، معنى السيادة، معنى العدالة، بل وحتى معنى الإنسان ذاته. فحين تختل موازين القوة إلى هذا الحد، يصبح الدفاع عن المعنى نفسه معركة، لأن سقوط المعنى هو المقدمة الفعلية لسقوط كل شيء.






