مجتمع وحوداث

من بائعة الخبز في رواية البؤساء إلى بائعة الكلينكس بشارع محمد الخامس

أنور الشرقاوي (طبيب وخبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي)
في كل مرة أنزل فيها إلى شارع محمد الخامس في الرباط لأقتني الصحف والمجلات من كشك “الروبيو”، يسبقني المشهد ذاته، كأنه جزء ثابت من ديكور المدينة.

هناك، عند أحد أعمدة الشارع الممتد من المحيط الى شالة، تقف شابة قصيرة القامة، تستند إلى العمود، كأنها صفحة هادئة في كتاب المدينة.

قد تكون في بداية عقدها الثاني. وجه طفولي يحمل ابتسامة خجولة، ونظرة لا تخلو من رجاء مهذب. 

لا تلاحق المارة، ولا تسد الطريق، ولا ترفع صوتها بنداء أو استجداء. تقف في صمت مهيب، كتمثال صغير من الكرامة. كل ما في يدها علبة صغيرة من الكلينكس، ثمنها درهم واحد.

مرات كثيرة مررت بها. 

كانت النظرات تتقاطع بيننا سريعاً، ثم يمضي كل منا في طريقه. ل

كن تلك النظرة، الغارقة في هدوء غريب، كانت تفتح في ذاكرتي باباً قديماً يقود إلى عالم الأدب.

كانت تذكرني ببائعة الخبز التي رسمها خيال فيكتور هوغو Victor Hugo في روايته الخالدة Les Misérables. البؤساء.

هناك أيضاً كانت الفتاة تقف في مواجهة الحياة، تحمل في يدها خبزاً بسيطاً، وفي قلبها حكاية من تعب البشر.

غير أن الزمن لا يكرر نفسه، بل يبدل أدواته فقط.

في إحدى تسكعي المتأني في شارع محمد الخامس، توقفت هذه المرة. 

لم أشتر الكلينكس فوراً، بل طلبت بضع دقائق من الحديث.

قالت بهدوء إنها تقطن مع أمها في حي القرية بمدينة سلا.

تتابع دراستها في السنة الثالثة من الغرافيزم. 

تحب الرسم والألوان، وتحلم بأن تعمل يوماً في مجال التصميم.

تبيع في اليوم ما يقارب ستين إلى سبعين درهماً من علب الكلينكس.

تخصم ثمن البضاعة ومصاريف التنقل، ثم تعطي ما تبقى لأمها كي تساعدها في تدبير شؤون الحياة.

لم يكن في كلامها شكوى، ولا في نبرتها انكسار.

كانت تحكي الأمر كما لو أنه تفصيل عادي من تفاصيل النهار، مثل شروق الشمس أو مرور الترام في الشارع.

لباسها بسيط، لكنه نظيف وأنيق.

وكان في وقفتها شيء من كبرياء صامت، يشبه شخصيات أحياء القاهرة التي كتب عنها نجيب محفوظ أو محمد شكري.

تأملت وجهها للحظة، وفكرت في مفارقة الزمن. في القرن التاسع عشر، كانت بطلة الحكاية بائعة خبز. وفي عام 2026، صارت بائعة كلينكس.

لكن الحقيقة لم تتغير.

فالخبز والكلينكس ليسا سوى رمزين صغيرين لمعركة أزلية يخوضها البشر كل يوم: معركة لقمة العيش.

لكل زمن خبزه الخاص.

ولكل مدينة فتياتها اللواتي يقفن بصمت على أرصفتها، يحملن في أيديهن بضاعة بسيطة… وفي أعينهن قصة كاملة عن الكرامة والصبر.

وربما لو مرّ فكتور هوغو اليوم بشارع محمد الخامس، لتوقف لحظة عند تلك الفتاة…

ولكتب فصلاً جديداً من البؤساء، عنوانه: بائعة الكلينكس.