مجتمع وحوداث

تغييرُ النَّظَرة للشخص الفاقد لحاسة البصر.. حين يكشفُ العَمى الإعاقة الحقيقية للمُجتمع

أنور الشرقاوي (طبيب/ فاعل جمعوي)
في شوارعِ مدنِنا، قد ترى أحيانًا هيئة شخص تمضي على مهلٍ في الرصيف. 

عصا تلامس الأرض برفق، كأنها تُحادث الطريق وتستدلّ به على معالمه الخفية.

مشهدٌ مألوف، يكاد يمرّ دون انتباه.

غير أنّ العيون التي تراه لا تنظر إليه دائمًا بالصفاء نفسه.

فكم من مرّةٍ يخطئ المجتمع في نظرته، فيرى في الأعمى إنسانًا ناقصًا.

وهذا وهمٌ كبير.

فالأعمى ليس إنسانًا أقلّ من غيره، ولا عقلُه أضعف، ولا فكرُه أقصر.

هو رجلٌ أو امرأة أو طفلٌ حُرم نعمة البصر، لا أكثر ولا أقل.

أمّا قلبه، وعقله، وخياله، فتبقى على ما أودع الله فيها من طاقةٍ وضياء.

إنّ العمى لا يُطفئ الفكر، ولا يُضعف الشعور، ولا يمنع الإنسان من أن يبدع أو يحبّ أو يتأمّل هذا العالم.

ولئن غابت عنه صورة الأشياء، فإنّ معانيها لا تغيب عن قلبه ولا عن ذهنه.

والتاريخ شاهدٌ على ذلك. 

فقد عرف الناس شعراء وموسيقيين وعلماء وفلاسفة لم يروا الدنيا بأعينهم، ولكنّهم أضاءوا عقول الناس بعلومهم، وأشعلوا في الأرواح نور الفكرة والإبداع.

فالعتمة الحقيقية ليست دائمًا في العين.

إنها كثيرًا ما تسكن في النظرة الضيقة التي يحملها المجتمع تجاه من يعيشون بطريقة مختلفة.

إنّ الإعاقة الحقيقية لا نكمن في الجسد، بل في الفكرة القاصرة التي تُقزّم الإنسان قبل أن تعرفه. 

حين يدخل الأعمى إلى مجلسٍ ما، يرى بعض الناس العصا قبل أن يروا صاحبها، ويرون النقص قبل أن يروا الإنسان.

وقليلٌ منهم من يرى الإنسان أولًا.

والحق أنّ العمى لا يُعرّف صاحبه تعريفًا كاملًا، ولا يختصر شخصيته. إنما هو وصفٌ لحالٍ من أحوال الإدراك، لا أكثر. 

فالأعمى يعيش العالم بطريقته، ويهتدي إليه بحواسّ أخرى، قد تزداد حدّةً وصفاءً.

فالأذن عنده تُحسن الإصغاء، والذاكرة تحفظ الأصوات والاتجاهات، واللمس يتحوّل إلى لغةٍ دقيقة يفهم بها الأشياء من حوله. 

وربما أدرك من دقائق الحياة ما يغفل عنه من أُشغلوا بالنظر السريع في زمنٍ تعوّد الناس فيه أن يمرّوا على الأشياء مرور العابرين.

وفي عالمٍ يعبد الصورة ويُقدّس النظر، يذكّرنا الأعمى بحقيقةٍ إنسانية عميقة.

إنّ الإدراك الإنساني لا يُختصر في العينين.

فالقلب يدرك، والعقل يتأمّل، والروح تفهم ما لا تراه الأبصار.

لقد اعتادت المجتمعات الحديثة أن تتحدث عن “الاندماج” و”الإنصاف” و”قبول الاختلاف”.

غير أنّ هذه الكلمات، إن بقيت حبيسة الخطب والكتابات، لا تغيّر شيئًا في واقع الناس.

فالاندماج الحقيقي يبدأ من نظرةٍ جديدة.

أن نرى في الأعمى إنسانًا كامل الإنسانية، لا موضوع شفقة ولا سبب حرج.

أن نتعامل معه بوصفه جارًا أو صديقًا أو زميلًا أو طالب علم، لا بوصفه حالةً استثنائية.

إنّ عصا الأعمى ليست علامة ضعف، بل وسيلة استقلال.

هي امتدادٌ لحرية الإنسان في السير في الأرض، ودليلٌ على إرادة الحياة.

وحين يفهم المجتمع ذلك، تتبدّل العلاقة بين الناس.

تزول المسافة، ويختفي الحرج، ويصبح الحوار طبيعيًا.

فلا نتحدث إلى “معاق”، بل إلى إنسان.

وربما كانت هذه هي الخطوة الأولى في طريقٍ أطول.

طريقٍ يتعلّم فيه المجتمع أن يرى الإنسان قبل أن يرى نقصه، وأن يقدّر الكرامة الإنسانية في كلّ صورة من صوره.

ذلك أنّ الإنسانية تبدأ دائمًا بفكرة بسيطة. أن نُحسن النظر إلى الآخر.