رأي

مريم عمارة: من نبل التطوع إلى جسارة القرار...عبور الجسر من العمل المدني إلى الفعل السياسي

(فاعلة جمعوية)

إن الانتقال من فضاء العمل الجمعوي والنشاط المدني إلى معترك العمل السياسي البرلماني ليس مجرد تغيير في "القبعة" أو المسمى الوظيفي، بل هو تحول استراتيجي في طبيعة الصراع من أجل التنمية. فبينما يرتكز الناشط الاجتماعي على قوة "المطالبة" والضغط من خارج النسق، يأتي السياسي ليقتحم مركز القرار، محولاً تلك المطالب من "أمنيات حقوقية" إلى "مشاريع قوانين" وميزانيات ملزمة. إن هذا العبور هو تجسيد للنضج في الوعي، حيث يدرك الفاعل أن إحداث أثر حقيقي ومستدام في حياة المواطن يتطلب امتلاك "آليات السيادة" والقدرة على التشريع والتنفيذ.

 

و حين يجتمع الناشط والسياسي في شخص واحد، فإننا نكون أمام "فاعل سياسي من طراز خاص"؛ شخص يمتلك عين الناقد التي ترصد الخلل في أبعد دوار في الإقليم، ويد المشرع التي توقع على الصفقات والميزانيات الكبرى. إنها القدرة على الجمع بين "لغة القلب" التي يفهمها المواطن البسيط، و"لغة المصالح" التي تفرض الاحترام داخل ردهات البرلمان. هذا المزيج الفريد هو الضمانة الوحيدة لعدم الانفصال عن الواقع؛ فالمناضل السابق لا يمكنه أن يخون قضاياه حين يصبح صاحب قرار، بل يسخر كل صلاحياته السياسية لتكون في خدمة طموحاته المدنية السابقة.

 

إن هذا المسار لا يعني أبداً ترك المبادئ خلف الظهر، بل يعني تسليحها بالسلطة لتحويلها من مجرد "احتجاج" إلى "إدارة"، ومن "تمني" إلى "تمكين" حقيقي، فالناشط الذي يعبر نحو السياسة لا ينسى وجع المسافات في المناطق الجبلية ولا أنين الخصاص في المراكز الصحية، بل يسخر صفته البرلمانية ليكون "مهندساً للفرص" يفتح الأبواب الموصدة أمام الاستثمارات الكبرى ويفرض وجود إقليمه على الخارطة الوطنية كقطب اقتصادي سيادي، وبذلك يصبح الفعل السياسي هو الأداة الأسمى والأكثر فاعلية لتحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التي طالما ناضل من أجلها في الجمعيات والساحات، مؤكداً أن الوفاء الحقيقي للمبادئ يتجسد في القدرة على تحويلها إلى واقع يعيشه الناس في حياتهم اليومية عبر قوة القانون وجسارة الإنجاز الميداني.