سياسة واقتصاد

أزمة الأحزاب المعطلة والديمقراطية العددية.. الحاجة لجبهة إنقاذ ملكية ونخبوية جديدة

علاء الدين بنهادي

يعيش المشهد العام المغربي في الربع الأول من عام 2026 على وقع تقاطعات استراتيجية، سياسية، وسوسيولوجية بالغة التعقيد، تضع هندسة الحكم، والنموذج الديمقراطي، والتوازنات الجيوسياسية أمام اختبارات تاريخية غير مسبوقة، يظهر هذا المشهد منقسما بوضوح بين مؤسسة ملكية تسعى بخطى حثيثة لتكريس مكانة الدولة كقوة إقليمية وقارية محورية، مستندة إلى إنجازات دبلوماسية متتالية ومشاريع سيادية ضخمة، وبين طبقة سياسية حزبية تعاني من أعطاب هيكلية في تدبير الشأن العام، وتدبير شأنها أيضا، وتأطير المواطنين. ويتفرع هذا الانقسام ليشمل نخبة من المعارضين، سواء من الطيف اليساري الذي شهد تراجعا ملحوظا، أو من حركات الإسلام السياسي، التي تتخذ مواقف صدامية تجاه العديد من القضايا الحساسة التي تمس الأمن القومي والخيارات الاستراتيجية للدولة.


وتتعدد جبهات هذا الانقسام لتشمل الموقف من قضايا مفصلية، أولها، العلاقة مع إسرائيل في سياق “اتفاقيات أبراهام”، الموقف من التصعيد العسكري مع إيران ومحورها الإقليمي، تدبير مقترح الحكم الذاتي في أقاليمنا الجنوبية، مآلات انتقال الملك واستقرار المؤسسات، التعديل الدستوري، والاستحقاقات الانتخابية المصيرية المقررة مبدئيا يوم 23 شتنبر 2026، بالإضافة إلى الجدل المتصاعد حول شكل الحكومة ودور رجال الأعمال في الاستمرار في تدبير الشأن العام ومسؤوليتها المباشرة في تأجيج الاحتقان الاجتماعي والأزمات الاقتصادية الخانقة.


سنطرح في هذا المقال تحليلا نقديا مستفيضا لهذه الديناميات، محاولين تفكيك جذور هذا الانقسام، وتقييم خطورته على استقرار الدولة والسلم الاجتماعي. كما سيناقش المقال الأطروحة المركزية حول جدوى استمرار “ديمقراطية عددية ومعطلة” تفتقر إلى المعنى الأخلاقي والنفس السياسي والنجاعة، وما إذا كان هذا الوضع المؤسساتي الهش يفرض، كحتمية تاريخية وسياسية، استمرار المؤسسة الملكية في تحمل مسؤولية الحكم المباشر كـ “ملكية تنفيذية مباشرة ودستورية”، محتفظة للأحزاب بدور المساعد التنفيذي للسياسات العمومية، وذلك لتجنب انزلاق البلاد نحو أزمة سياسية ومؤسساتية قد تعيدنا لتجربة حالة الاستثناء والأزمة المؤسسية عام 1965.


I. العقيدة الجيوسياسية الجديدة للمغرب: من الدفاع عن الشرعية إلى فرض السيادة

لا يمكن فهم الانقسامات الداخلية في بلادنا دون وضعها في سياق التحولات الجيوسياسية الجذرية التي تقودها المؤسسة الملكية. لقد تجاوزت الدبلوماسية المغربية مرحلة “الغموض الدبلوماسي” و”الشرعية الدفاعية” لتنتقل إلى مرحلة تكريس السيادة المطلقة وبناء تحالفات استراتيجية هجومية وقيادية، وذلك على النحو التالي:


1. قرار مجلس الأمن 2797 وتكريس مبادرة الحكم الذاتي والجهوية الموسعة

شكل تاريخ 31 أكتوبر 2025 نقطة انعطاف حاسمة في تاريخ الدبلوماسية المغربية، حيث اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2797، الذي اعترف صراحة بخطة الحكم الذاتي المغربية كـ “الأساس الأكثر واقعية” لحل النزاع المفتعل في الصحراء الغربية. هذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تتويجا لمسار تراكمي من الصبر الاستراتيجي، الإصلاحات الداخلية، والدبلوماسية الاستباقية التي انتهجتها الرباط منذ عام 1975، بالرغم من بعض التقديرات السياسية غير الموفقة في محطات سابقة، والتي توجت بحشد دعم دولي واسع. لقد أعلن الملك محمد السادس بوضوح أن هناك “ما قبل وما بعد 31 أكتوبر 2025″، مشددا على أن هذا القرار يرفع المغرب من وضع “المطالب” إلى موقع “المُساهم” والمحور الإقليمي القادر على ترجمة الاستقرار الداخلي إلى توازن جيوسياسي إقليمي.


هذه العقيدة السيادية الجديدة تتجلى بوضوح في إطلاق مشاريع استراتيجية ضخمة، أبرزها “المبادرة الأطلسية”، التي تهدف إلى تحويل الأقاليم الجنوبية (الداخلة والعيون) إلى جسر لوجستي، تنموي، وتجاري يربط المغرب بدول الساحل وغرب إفريقيا. ومع ذلك، فإن هذه الانتصارات تضع الدولة أمام تحديات أمنية من نوع جديد، فيما يُعرف بـ “مرحلة ما بعد الاعتراف”. فالأطراف الإقليمية المناوئة، وعلى رأسها الجزائر وجنوب إفريقيا ودول أخرى عربية وإفريقية وأوروبية، التي تحاول انتهاج “دبلوماسية المعاملات” للحفاظ على توازنها بين المحور الغربي والروسي-الإيراني، تنظر بتوجس إلى تعاظم النفوذ المغربي، مما يرفع من احتمالات اللجوء إلى التهديدات الهجينة، والحروب السيبرانية، وتوظيف جبهة البوليساريو المتهالكة كأداة للتشويش على المنجزات المغربية على الحدود المغربية الموريتانية.


2. التحالفات الأمنية ومحور واشنطن-تل أبيب في مواجهة طهران

استكمالا لهذا التموقع القاري والدولي، تبنت الدولة المغربية استراتيجية براغماتية صارمة تعتمد على تقوية تحالفاتها العسكرية والأمنية والاقتصادية مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. فمنذ توقيع الاتفاق الثلاثي في دجنبر 2020، تعززت الشراكة الاستراتيجية بشكل ملحوظ، وتجسد ذلك في الاستثمارات العسكرية الكبرى، واحتضان المغرب السنوي لمناورات “الأسد الإفريقي” (أكبر مناورة عسكرية للقيادة الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”)، وتبادل الخبرات الاستخباراتية والتكنولوجية.


هذه الخيارات السيادية، التي تخدم الأمن القومي وتحصن الوحدة الترابية، وجدت نفسها في صدام مباشر مع التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، لا سيما مع اتساع رقعة الحرب الإسرائيلية ضد حركة حماس في غزة، وامتدادها لتشمل مواجهات عسكرية مباشرة مع إيران وحلفائها (حزب الله اللبناني وجماعة الحوثي اليمنية). وهنا يبرز التناقض الصارخ بين بوصلة الدولة الاستراتيجية وبين التوجهات الأيديولوجية لقوى المعارضة الإسلامية.


II. التدبير الحكومي وهيمنة رجال الأعمال: هندسة أفرزت الاحتقان الاجتماعي

على النقيض من الحيوية والنجاعة التي تطبع تدبير المؤسسة الملكية لملفات السيادة والسياسة الخارجية، يتسم التدبير الحكومي الداخلي بضعف فادح أفضى إلى حالة من الاحتقان الاجتماعي غير المسبوق خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى أوائل 2026. فقد أفرزت انتخابات شتنبر 2021 حكومة يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار برئاسة عزيز أخنوش، وهو أحد كبار رجال المال في البلاد. ونسجل هنا الملاحظات التالية:


1. شبهات تضارب المصالح والسياسات النيوليبرالية

منذ البداية، صاحب تشكيل هذه الحكومة نقاش سياسي حاد حول مدى قدرة نخب المال على تحمل أعباء السلم الاجتماعي، فكانت الحجة القوية للمنتقدين أن هذه الفئة تعودت على الدفاع بشراسة عن مصالحها الطبقية والتجارية، ولا تملك القدرة السياسية أو الاستعداد لتقديم التنازلات اللازمة لامتصاص الرجات الاجتماعية. ومع توالي سنوات الولاية الحكومية، تجسدت هذه المخاوف في شكل أزمات متتالية. فقد اتهمت الحكومة بتبني قرارات وإجراءات تخدم “لوبيات” اقتصادية نافذة مرتبطة بأحزاب التحالف (خاصة حزب رئيس الحكومة)، مع تسجيل تورط وزراء في شبهات استغلال النفوذ، تضارب المصالح، وتبديد أموال عمومية.


لقد اعتمدت الحكومة سياسات نيوليبرالية عمقت الهشاشة وأضعفت القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة والفقيرة، كما أدى استمرار الضغوط التضخمية، وركود الأجور، والارتفاع الصاروخي في أسعار السلع الأساسية والمحروقات إلى إنهاك ميزانية الأسر. وفي المقابل، أثبتت السياسة الاقتصادية فشلها في تحدي المصالح الراسخة لشبكات الريع أو في إعادة توزيع الثروة بشكل هادف وفعال، مما أدى إلى تفاقم الفوارق الاجتماعية بشكل خطير. وتشير الإحصائيات الصادمة إلى وجود نحو خمسة ملايين شاب مغربي (تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة) خارج منظومات التعليم والتكوين وسوق العمل المهيكل، مما يدفعهم نحو الأنشطة الهامشية والاقتصاد غير المنظم.


2. الصدام المباشر مع أجهزة الدولة والسلطة المحلية

لم تكتف الحكومة بالعجز عن توفير البدائل الاقتصادية، بل لجأت إلى مقاربات زجرية وقرارات عشوائية مست بشكل مباشر الفئات الهشة التي تعيش على الاقتصاد غير المهيكل. فبدلا من الاستيعاب الاقتصادي (كالإدماج الضريبي أو دعم المقاول الذاتي)، شنت السلطات حملات شرسة لتحرير الملك العمومي، ما أدى إلى حرمان آلاف الأسر من مصادر دخلها الوحيدة في ظل غياب أي بديل اجتماعي يحفظ كرامتها.


هذا الفراغ السياسي والاجتماعي وضع “رجل السلطة” (القياد، الباشوات، وأعوان وزارة الداخلية) في مواجهة مباشرة، ومميتة أحيانا، مع المواطن الغاضب. وقد تحول هذا الاحتكاك إلى ظاهرة سوسيولوجية وأمنية مقلقة، تمثلت في تنامي حالات الاعتداء الجسدي العنيف على موظفي الدولة المكلفين بإنفاذ القانون.


إن عدم إنصات الحكومة لنبض الشارع وتجاهلها لمطالب المواطنين، وهو ما يتعارض تماما مع التوجيهات الملكية السابقة (كخطاب أكتوبر 2016 حول اختلالات الإدارة)، يذكي وضعية الاحتقان وبؤر التوتر، ويخلق شرخا عميقا بين الدولة والمجتمع. لقد بات المواطن ينظر إلى المؤسسات المنتخبة والمصالح الإدارية بنوع من الريبة والعداء، مما يفرز بيئة خصبة لتبني مقاربات احتجاجية غير سلمية، تضر بهيبة الدولة وتهدد استقرارها.


3. أزمة “الأحزاب الإدارية” وعبثية “الديمقراطية العددية”

لفهم عجز النخب السياسية الممثلة في الحكومة والبرلمان عن استيعاب هذا الاحتقان واحتوائه، يجب الغوص في البنية الجنيالوجية والتاريخية للنسق الحزبي في المغرب. لقد اتسم الحقل السياسي المغربي، منذ عقود، بظاهرة هندسة الخرائط الحزبية وتفريخ ما اصطلح عليه أكاديميا وسياسيا بـ “الأحزاب الإدارية”.


4. جذور ووظائف الأحزاب الإدارية

منذ ستينيات القرن الماضي، وفي سياق صراع القصر مع الحركة الوطنية وأحزاب اليسار التقدمي (كالاتحاد الوطني للقوات الشعبية UNFP، الاتحاد الاشتراكي فيما بعد USFP، وحزب التقدم والاشتراكية PPS) التي كانت تطالب بملكية برلمانية وتقليص الصلاحيات المطلقة للملك، لجأت المؤسسة الملكية في عهد الراحل الحسن الثاني إلى مقاربة تقوم على تفتيت المشهد السياسي (Fragmentation) واختراق القوى المجتمعية. في هذا السياق، تم تأسيس أحزاب موالية بالكامل للنظام، انطلاقا من “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” (FDIC)، مرورا بـ “التجمع الوطني للأحرار” (RNI) في السبعينيات، و”الاتحاد الدستوري” (UC) في الثمانينيات. واستمرت هذه الاستراتيجية في عهد الملك محمد السادس بإنشاء “حزب الأصالة والمعاصرة” (PAM) سنة 2008، أحزاب لازالت تبحث عن هويتها ودورها بعيدا عن الجهة التي أوجدتها، أحزاب أصبحت تشكل بالنسبة لهده الجهة عبئا وصداعا يشوش على توجهات الدولة الجيوسياسية والاستراتيجية وعلى مشاريعها الكبرى المهيكلة.


لقد هدفت هذه الأحزاب إلى خلق كتلة سياسية وازنة قادرة على مواجهة المد اليساري سابقا، والمد الإسلامي لاحقا، مع ضمان أغلبية مريحة في المؤسسات التشريعية تدعم “السياسات العامة” وتوفر الغطاء المدني للقرارات السيادية. ومع تزامن هذه السياسة مع تبني المغرب لنهج اقتصادي نيوليبرالي واسع النطاق منذ أواخر التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، تحولت عملية دمج هذه النخب (Elite Co-optation and Rotation) إلى تحالف فشل في مهمته المثلى، وهي تجنيب الملكية المواجهة المباشرة مع الشعب، بالرغم من الإمكانات والشروط التي وفرت لها داخل المؤسسات الدستورية والجهوية والجماعية والميزانيات الضخمة التي وضعت بين يده، بلا فائدة كبيرة، ابتداء من الثامن من شتنبر 2021.


غير أن هذه الاستراتيجية بدأت تفقد بريقها وتستنفد أغراضها. فهذه الأحزاب تفتقر إلى أي عمق أيديولوجي أو قاعدة شعبية عضوية، وتعتمد في بقائها على القرب من دوائر صنع القرار وشبكات توزيع الريع والامتيازات (Patronage networks) والتجنيد الانتخابي المعتمد على “الأعيان” والمال السياسي. ولذلك، فإن التزام هذه الأحزاب (كالأحرار والبام، وهما العمودان الفقريان للحكومة الحالية) بالديمقراطية يظل التزاما “شكليا وسطحيا”، حيث أنها لا تبدي أي حماس للضغط من أجل إصلاحات ديمقراطية حقيقية طالما أنها المستفيد الأكبر من الوضع القائم. من جهة أخرى، فإن المعارضة فقدت بريقها؛ فاليسار تشظى وأصبح ضعيفا بنيويا، وحزب العدالة والتنمية، الذي كان يعتبر قوة احتجاجية، فضل سياسة “المهادنة” والاندماج السلبي والتكيف مع الوضع بدلا من الدفع نحو إصلاحات جوهرية حينما قاد الحكومة لعقد من الزمن.


III. نقد أطروحة “الديمقراطية العددية المعطلة”

يعيدنا هذا الواقع المأزوم إلى الأطروحة الفكرية العميقة التي صاغها المفكر والمؤرخ عبد الله العروي حول مفهوم “الديمقراطية العددية”. إن الديمقراطية في جوهرها ليست مجرد صناديق اقتراع وقوانين انتخابية لحساب الأصوات وتوزيع المقاعد البرلمانية؛ الديمقراطية العددية المفرغة من محتواها هي تلك التي تغيب عنها الفلسفة الأخلاقية، والتعاقد الاجتماعي العقلاني، والنفس السياسي الملتزم بقضايا الأمة وهموم المواطن.


إن ما يشهده المغرب اليوم هو تجل صارخ لخطورة هذه الديمقراطية العددية المعطلة. فاستخدام الآليات الانتخابية دون ثقافة سياسية حقيقية يفرز مؤسسات ضعيفة ومشتتة لا تحظى بثقة الشارع. فعندما تختزل السياسة في تكتلات نفعية أو اصطفافات مذهبية وإيديولوجية تفرق الشمل بدلا من أن تجمعه حول مشروع وطني جامع، يصبح التعدد الحزبي عبئا على الدولة والمجتمع. وتؤكد الدراسات أن 68% من المغاربة لا يزالون يفضلون النظام البرلماني التعددي كنموذج مبدئي، غير أن الممارسة العملية للأحزاب ولدت حالة من الإحباط والعزوف، خاصة في صفوف الشباب الذين باتوا يدركون أن هذه المؤسسات التمثيلية غير قادرة على التعبير عن واقعهم الاقتصادي المرير، بل تستخدم كواجهة لتمرير سياسات فوقية تزيد من تهميشهم. إن ديمقراطية لا تراعي المصلحة العامة والبعد الأخلاقي في تدبير الموارد هي “ديمقراطية تفرق وتضعف الدولة ومؤسساتها أكثر مما تقويها وتجمعها على قوة واحدة”.


IV. رهانات الاستحقاقات القادمة و”حكومة المونديال 2030″

على وقع هذا الاحتقان الاجتماعي والسياسي، يستعد المغرب مبدئيا لدخول غمار دورة انتخابية جديدة بالغة الأهمية في الربع الأخير من سنة 2026، والتي ستفرز برلمانا ومجالس ترابية وتفرز حكومة ستقود البلاد نحو محطة استثنائية، تنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال.


1. صراع التموقع ومساعي الإصلاح الانتخابي

أمام التآكل السريع لشعبية التحالف الحكومي الحالي، برزت محاولات محمومة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية. فحزب التجمع الوطني للأحرار يحاول استباق غضب الناخبين من خلال إعلان رئيسه عزيز أخنوش التخلي عن قيادة الحزب وعدم ترشحه لولاية ثالثة على رأسه، في خطوة قرأها المحللون على أنها انسحاب تكتيكي أو “خروج من الباب الضيق” هربا من المحاسبة الشعبية عن حصيلة حكومته المتردية.


في المقابل، يستنفر حزب العدالة والتنمية قواعده سعيا لتوظيف الغضب الشعبي واستعادة الصدارة التي فقدها بشكل مدوٍ في انتخابات 2021. وقد أعلن أمينه العام بنكيران في لقاءات تواصلية (أواخر 2025) أن المعركة الانتخابية القادمة ستكون ثنائية بين حزبه وحزب التجمع الوطني للأحرار، موجها رسائل تحدي مفادها أن المغاربة ينظرون إلى تنظيمه الإسلامي كـ “بديل ضروري”. غير أن هذه الطموحات تصطدم بوعي متزايد لدى شرائح واسعة من الناخبين بحقيقة الاستغلال الأيديولوجي الذي تمارسه هذه الأحزاب. ولضبط هذا الإيقاع الانتخابي، وإدراكا منها لخطورة استمرار العزوف الشعبي وفقدان الثقة، بادرت الدولة (بتوجيهات مباشرة من الملك محمد السادس وإشراف وزارة الداخلية) إلى إطلاق موجة من الإصلاحات الانتخابية. وتهدف هذه الإصلاحات إلى بناء “صيغة جديدة للحكامة الجيدة” من خلال آليات للرصد المالي والتقني لتتبع تدفقات “المال الانتخابي غير المشروع”، مراقبة التحويلات البنكية والنفقات المشبوهة، وضمان شفافية العملية لاستعادة ثقة جيل الشباب (Gen Z) النشط رقميا والمحبط سياسيا. إن هذه الإصلاحات تعكس تحولا من نموذج الرقابة الفوقية إلى نموذج أكثر إدماجا، وتؤكد رغبة المؤسسة الملكية في هندسة انتقال سياسي جديد يعكس الوجه التحديثي للمغرب إقليميا ودوليا.


2. إشكالية “حكومة المونديال” والتحديات الجهوية

استولَد هذا الحراك السياسي مصطلحا جديدا بات يتردد بقوة في الخطاب العام، وهو “حكومة المونديال”. تحاول أحزاب الأغلبية تسويق فكرة استمراريتها لقيادة هذا الورش العالمي، بينما تطالب أحزاب المعارضة بإفراز حكومة جديدة برؤية مغايرة. وهنا يطرح تساؤل جوهري، هل ستكون هذه الحكومة مجرد أداة لتنظيم وتدبير لوجستي مؤقت لحدث رياضي عالمي؟ أم أنها يجب أن تكون حكومة أوراش كبرى وإصلاحات هيكلية تجعل من المونديال قاطرة لتنمية مستدامة وشاملة؟ فالتجارب الدولية تشير إلى أن اقتصار التنمية على البنية التحتية والقطاع السياحي في الدول النامية المستضيفة للمونديال لم ينعكس بالضرورة بشكل إيجابي ومستدام على حياة الفئات الهشة، بل فاقم أحيانا من مديونية الدول والتفاوتات المجالية.


على المستوى الترابي، تمثل جهة الرباط-سلا-القنيطرة مجسما دقيقا لهذه التناقضات. ففي الوقت الذي تعقد فيه المجالس المنتخبة وتصادق على مشاريع كبرى للبنيات التحتية، وتسوق وزارة الإسكان لنجاحات رقمية في برامج دعم السكن المباشر (تسجيل 205 آلاف طلب حتى أكتوبر 2025) وللقوافل الترويجية في العالم القروي، تعيش الجهة ذاتها، لا سيما في ضواحي سلا وتمارة والقنيطرة، احتقانا شديدا بسبب اختلالات التعمير وهدم الأحياء العشوائية دون توفير السكن اللائق، ما يجعل هذه الجهة مسرحا لتوترات مجتمعية وتجاذبات حزبية شرسة استعدادا للانتخابات القادمة.


VII. الملكية التنفيذية: صمام الأمان لتجاوز الأزمات وتثبيت استقرار المؤسسات

في ظل القراءة النقدية لهذا المشهد المعقد، حيث تخفق النخب الحزبية في بلورة سياسات عامة عادلة، وتكتفي المعارضة بخطاب دغمائي ومزايدات أيديولوجية، يطرح السؤال الجوهري حول جدوى النظام السياسي بصيغته الحالية والتوازن المؤسساتي الذي أرساه دستور 2011. لقد حاول المشرع الدستوري المغربي سنة 2011 منح رئيس الحكومة صلاحيات تنفيذية غير مسبوقة، مؤسسا لملامح “ملكية برلمانية” تعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.


ولكن بعد أزيد من عقد من الممارسة، تبين أن الطبقة السياسية لم ترقَ إلى مستوى اللحظة الدستورية. فالأحزاب لم تكن قادرة على تحمل الضريبة السياسية للقرارات الصعبة، ومارست في كثير من الأحيان سياسة الهروب إلى الأمام واستنزاف رصيد المؤسسة الملكية. وأمام هذا الفراغ الإرادي وتغول المصالح الاقتصادية الضيقة، وجدت المؤسسة الملكية نفسها مجبرة على التدخل المباشر وتحمل مسؤولية الحكم بشكله التنفيذي لحماية المصالح القومية والدفاع عن السلم الاجتماعي.


1. تجليات القيادة الملكية المباشرة

يبرز تدخل الملك محمد السادس بشكل حاسم في كافة الأوراش والمجالات الاستراتيجية الكبرى، مؤكدا دوره كـ “المحرك المركزي” للانتقال السياسي والمجتمعي:


السيادة والسياسة الخارجية: الملك هو المهندس الوحيد لعقيدة التحالفات الجديدة، ملف الصحراء المغربية، وتأمين العمق الإفريقي والأطلسي، وإدارة وتطوير القوات المسلحة وتنفيذ المشاريع الكبرى. وهي ملفات أثبتت التجربة أن إخضاعها للمزايدات الحزبية يشكل تهديدا مباشرا لأمن الدولة.

الإصلاحات المجتمعية والحقوقية: عندما تصادمت القوى المحافظة والتقدمية حول قضايا حيوية، كان التحكيم الملكي هو الفيصل. فالتوجيهات الملكية لإصلاح مدونة الأسرة (تحديد سن الزواج بـ 18 سنة، ضمان حق المطلقات في الحضانة في حال زواجهن، ومعالجة إشكاليات الإرث جزئيا) كشفت عن استراتيجية لتحديث المجتمع متجاوزة عرقلة حزب العدالة والتنمية، الذي هدد بالاحتجاج. كما يشكل العفو الملكي عن صحفيين تدخلا مباشرا لتنفيس الاحتقان الحقوقي وتحسين صورة المغرب دوليا، رغم التحديات المستمرة المتعلقة بملفات أخرى كحراك الريف وحريات الأقليات والمهاجرين.

الضمانة المؤسساتية وإعادة هندسة المشهد: تعتبر توجيهات الملك بضرورة الإسراع بإصلاح القوانين الانتخابية استعدادا لـ 2026 وطريقة التعامل مع احتجاجات ومطالب “جيل زد” شتنبر الماضي محاولة لإعادة التوازن بين السلطة والأحزاب، وإرجاع المبادرة السياسية من “الشارع الغاضب” إلى قبة المؤسسات الرسمية لتجنب سيناريوهات الانهيار.

إن هذا الوضع يكرس حقيقة سوسيولوجية وسياسية، حيث إن دور الأحزاب في المغرب سيبقى، في المدى المنظور، منحصرا في كونه دورا “مساعدا” ومنفذا للسياسات العمومية التي ترسمها الدوائر العليا، داخليا وخارجيا. هذا الخيار لا يعد نكوصا عن الديمقراطية، بل هو آلية حمائية (Safeguard mechanism) تهدف إلى تجنب وقوع أزمة مؤسساتية عاصفة. فاستمرار “الديمقراطية العددية المعطلة” العرجاء دون مظلة ملكية حاكمة قوية قد يعرض بنية الدولة للتفكك ويضعف جبهتها الداخلية في محيط إقليمي معادٍ.


2. استقرار الحكم وانتقال العرش: استمرارية الدولة

إن قوة النسق السياسي المغربي لا تكمن في متانة أحزابه، بل في التجذر التاريخي والديني للمؤسسة الملكية، حيث يلعب نظام “البيعة” تاريخيا دورا محوريا في رسم الخط الفاصل بين شرعية سلطة المخزن والفوضى (بلاد السيبة)، حيث يضمن ولاء مختلف مكونات الأمة والجيش والأعيان للسلطان.


وفي الوقت الراهن، يحظى ملف استقرار المؤسسة الملكية واستمرارية الحكم بأهمية قصوى لتجنيب البلاد الرجات، حيث يتم حاليا التحضير الدقيق لمسار ولاية العهد، عبر تكوين رفيع المستوى للأمير الحسن، انطلاقا من مساره الأكاديمي وصولا إلى تدريبه العملي والبروتوكولي في تسيير دواليب الدولة واستقبال كبار قادة العالم. هذا البناء الممنهج لـ “ملك المستقبل” يبعث برسائل طمأنة للداخل والخارج بأن الدولة تمتلك رؤية استشرافية مستقرة، قادرة على امتصاص صدمات العجز الحزبي ومواجهة الشائعات التي قد تنتشر أحيانا حول غياب الملك عن الفضاء العام لأسباب صحية، والتي يسعى البعض لاستغلالها للإيحاء بسيطرة الدوائر الضيقة للمخزن.


إن التحليل المعمق للنسق السياسي والاجتماعي المغربي في أفق الربع الأخير من هذا العام يؤكد أن المغرب يعيش مفارقة تاريخية؛ فهو يخطو خطوات عملاقة نحو تثبيت سيادته واسترجاع أدواره الإقليمية المتقدمة ضمن نظام دولي قيد التشكل، متسلحا ببراغماتية ملكية قل نظيرها في محيطها المغاربي والعربي والإفريقي لكنها، في ذات الوقت، تصطدم بواقع داخلي محتقن، تغذيه أزمات اقتصادية وفشل ذريع لجل النخب الحزبية لم تستطع الارتقاء إلى مستوى تحديات المرحلة.


إن استمرار الاعتماد على أحزاب تفتقر للمشروعية الشعبية، وتتحرك بمنطق المصالح الاقتصادية الضيقة أو الحسابات الأيديولوجية الشعبوية، يفرز نماذج من “الديمقراطية العددية المعطلة” التي تنخر جسد الدولة وتزيد من الفجوة بين طموح المؤسسة الملكية في التحديث وبين الواقع المرير للمواطنين. وفي ظل تصاعد التهديدات الخارجية التي تسعى لضرب الوحدة الترابية وتشويه مسار المغرب، والمتاجرة بملفات الشرق الأوسط لإضعاف الجبهة الداخلية، تصبح الحاجة ماسة إلى تدخل المؤسسة الملكية بشكل حازم ومباشر في توجيه دفة الحُكم، لا الاكتفاء بدور الحَكَم عن بعد، متجاوزة الاختلالات الحزبية للحفاظ على المصالح العليا للدولة والسلم الاجتماعي.


وإذا كانت هذه المقاربة (الملكية التنفيذية السيادية الدستورية) توفر الحلول الاستعجالية والضمانات الأمنية والدبلوماسية لتفادي أزمات مؤسساتية كبرى، فإن الرهان الاستراتيجي الحقيقي للمغرب يكمن في مدى قدرته مستقبلا على تخليق الحياة السياسية، والارتقاء بالتجربة الديمقراطية من مجرد حسابات عددية وتنافس مصلحي إلى ديمقراطية تشاركية حقيقية وبرجماتية وذات معنى أخلاقي، تفرز نخبة وطنية جديدة، “نخبة تكنوسياسية” “Technopolitician Elite” واعية بحجم التحديات وقادرة على تجسيد الإرادة الشعبية وتخفيف العبء عن كاهل المؤسسة الملكية، لتكوين جبهة داخلية صلبة تقابل مكانة المغرب الجديدة إقليميا وقاريا دوليا.