قد لا تكذب الأرقام في السياسة، … لكنها كثيرا ما تُستعمل لتقول نصف الحقيقة فقط. والنصف الآخر المزعج يُترك خارج الجداول، خارج البلاغات، وخارج اهتمام من يكتبون “قصة النجاح”.
رأيتم الحكومة تتحدث بثقة عن النمو، عن التحكم في التضخم، وعن تحسن متوسط الأجور. خطاب متماسك ظاهريا، مدعوم بأرقام رسمية، ويبدو في شكله علميا ومحايدا. لكن المشكلة ليست في الأرقام نفسها، بل كيف تم اختيارها و عرضها و تفسيرها.
المتوسط، مثلا، هو أكثر الأدوات الإحصائية خداعا عندما يُستخدم خارج سياقه. حين يُقال إن متوسط الأجور ارتفع، فإن هذا لا يعني أن أغلب المغاربة يتقاضون أجورا أفضل. المتوسط ببساطة يجمع كل الأجور ويقسمها، ما يسمح لقلة قليلة من الرواتب المرتفعة أن ترفع الرقم العام، بينما تظل الأغلبية في نفس مكانها أو أسوأ.
الوسيط، وهو الرقم الذي يقسم الأجور إلى نصفين متساويين، غالبا ما يكون أكثر صدقا في عكس الواقع، لكنه أقل جاذبية سياسيا، لأنه لا يمنح نفس اللمعان.
و هنا يبدأ “الوهم الإحصائي” إذ تتحول الأداة العلمية من وسيلة لفهم الواقع إلى وسيلة لتجميله.
الأمر نفسه ينطبق على التضخم. يُقال إنه تحت السيطرة، بناء على معدل عام. لكن هذا المعدل يخفي اختلافا جوهريا بين سلة استهلاك “نظرية” وسلة استهلاك حقيقية. فالمواطن لا يستهلك “المعدل”، بل يشتري الخبز، والخضر، والمحروقات. وهذه، تحديدا، هي التي تعرف الارتفاع الأكثر إيلاما، بمعنى آخر التضخم قد يكون منخفضا على الورق، ومرتفعا في الحياة.
أما النمو الاقتصادي، فهو الرقم الأكثر احتفاء في الخطاب الرسمي. لكنه رقم كلي، لا يجيب عن السؤال الأساسي: من يستفيد؟
قد ينمو الاقتصاد، لكن إن كان هذا النمو متركزا في قطاعات محدودة، أو في يد فاعلين كبار، فإنه لا يترجم بالضرورة إلى تحسن في حياة المواطن العادي. النمو هنا يصبح “خبرا اقتصاديا”، لا تجربة اجتماعية.
ثم هناك فئة كاملة لا تظهر تقريبا في هذه الأرقام " المغرب غير المهيكل".
ملايين يشتغلون خارج أي نظام حماية، خارج الإحصاء الدقيق، وخارج كل المؤشرات التي تُبنى عليها السياسات. هؤلاء لا يدخلون في حساب متوسط الأجور بشكل واضح، ولا في قياس البطالة بنفس الدقة، ولا في تقييم أثر السياسات العمومية. ومع ذلك، هم يشكلون جزءا كبيرا من الواقع الاقتصادي.
اختفاؤهم من الأرقام لا يعني اختفاءهم من الحقيقة، بل فقط من زاوية النظر الرسمية.
وهنا تتحول الإحصائيات من أداة تشخيص إلى أداة تبرير، بدل أن تُستخدم لاكتشاف الأعطاب، تُستخدم لإثبات أن كل شيء يسير بشكل “معقول”، بدل أن تفتح النقاش، تُغلقه، وبدل أن تقود إلى تصحيح السياسات، تُستعمل لحمايتها.." هي ما درتو والو و السلام"..
المشكلة ليست في أن الحكومة تستعمل الأرقام، فهذا طبيعي وضروري. المشكلة في أن الأرقام تُقدَّم كحقيقة مكتملة، بينما هي في الواقع قراءة جزئية، وانتقائية، ومؤطرة سياسيا، لن أسأل إن كانت الأرقام صحيحة؟ أنا أسأل ماذا تخفي هذه الأرقام… ومن لا يظهر فيها؟..لن يتمكنوا من الإجابة لأنها ببساطة تحرجهم و تكشف فشلهم.






