قضايا

صَنْدوق لعْجَب

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

السؤالان اللذان يُطرحان علي كثيرا هذه الأيام هما،، "ما الحزب الذي أظنه سيفوز بأغلبية الأصوات في الانتخابات المقبلة؟

وما الحزب الذي سأصوت له؟"..

بالنسبة للسؤال الأول، سأؤجل الجواب قليلا، لأن الوقت ما يزال مبكرا على الحسم، و السياسة في المغرب لا يمكن فهمها فقط بما يظهر على السطح، بل أيضا بما يتحرك في العمق.

أما السؤال الثاني، فسأجيب عنه بوضوح.

نحن نعلم أن الغالبية الساحقة من الناس، حين تتجه نحو صناديق الاقتراع، فإنها تصوت غالبا للشخص الذي تثق به داخل منطقتها، أكثر مما تصوت للحزب نفسه. وهذا مفهوم داخل مجتمع ما تزال فيه العلاقات المحلية والصورة الشخصية تلعب دورا حاسما..أما أنا فأصوت للحزب أكثر مما أصوت للفرد، لسببين:

أولا لأنني أتنقل كثيرا ولا أرتبط بدائرة انتخابية ثابتة تسمح لي بمعرفة الأشخاص بما يكفي لأمنحهم ثقتي السياسية.

وثانيا لأنني أرى أن قيمة الحزب الحقيقية تظهر في نوعية الأشخاص الذين يختارهم ويدفع بهم إلى مواقع القرار.

بالنسبة لي، الحزب الذي قد أمنحه صوتي هو حزب أثق في اختياراته البشرية قبل خطابه السياسي.

حزب لا يتحول مع الوقت إلى مأوى للانتهازيين وأصحاب المصالح، ولا يكتشف المغاربة بعد سنوات أن بعض من قدمهم كـ”نخب” كانوا متورطين في قضايا خطيرة تمس المال العام أو الأخلاق العامة أو كرامة الدولة نفسها.

أبحث عن حزب لم يرتبط اسم مسؤوليه، أثناء تحملهم للمسؤولية أو بعدها، بجرائم من قبيل:

اختلاس المال العام،

النصب والاحتيال،

المتاجرة في المخدرات،

تبذير المال العام،

الاستغلال أو الاتجار بالبشر،

استغلال النفوذ للحصول على الصفقات أو تفويتها،

أو تضارب المصالح الذي يجعل السياسة مجرد امتداد للأعمال الخاصة.

وأبحث أيضا عن حزب يمنح التزكيات وفق معايير ومساطر واضحة، لا وفق منطق البيع والشراء والولاءات العابرة.

لأن الحزب الذي يتاجر في التزكيات قبل الانتخابات، يصعب أن ينتج مؤسسات نظيفة بعدها.

إذا وُجد هذا الحزب في المغرب، فهو بالنسبة لي حزب يعرف كيف يختار ممثليه، ومن يُحسن الاختيار يستحق قدرا من الثقة، أما الأحزاب التي تتحول مع الوقت إلى قاعات انتظار كبيرة لكل من يبحث عن الحصانة أو النفوذ أو حماية المصالح، فمشكلتها ليست فقط في مرشحيها… بل في فكرتها عن السياسة نفسها..

في نظري، المشكلة في المغرب ليست أن الأحزاب بلا كفاءات أو بلا أشخاص محترمين، فكل الأحزاب تقريبا تضم أسماء نظيفة ومحترمة وذات كفاءة فعلية. المشكلة أعمق من ذلك قليلًا.

المشكلة أن الحياة الحزبية عندنا ظلت لسنوات طويلة مفتوحة أمام منطق “القابلية الانتخابية” أكثر من “الجدارة السياسية”. بمعنى أن أحزابا كثيرة أصبحت، مع الوقت، مستعدة لغض الطرف عن أسئلة الأخلاق والنزاهة والكفاءة مقابل شيء واحد و هو القدرة على جلب الأصوات.

ولهذا تجد أحيانا نفس الأسماء تتنقل بين أحزاب متناقضة إيديولوجيا دون أي حرج فكري، وكأن السياسة مجرد قميص يُغيَّر حسب الموسم الانتخابي. وهنا بالضبط يبدأ فقدان الثقة

هل يوجد حزب مغربي يطابق تماما المواصفات التي تحدثتُ عنها؟

بصراحة أظن أن هناك حزبا يمكنه التباهي بأنه “ يكاد أن يكون نظيفا بالكامل” أو أنه لم يقع أبدا في أخطاء التزكيات أو الحسابات الانتخابية أو التساهل مع بعض الأسماء المثيرة للجدل.

لكن، في المقابل، هناك أحزاب ما تزال تحاول ـ بدرجات متفاوتة ـ الحفاظ على حد أدنى من الانضباط التنظيمي أو الصورة المؤسساتية أو الحرج الأخلاقي. وهناك أحزاب أخرى يبدو فيها منطق المصالح الانتخابية أكثر حضورا من أي تصور سياسي حقيقي.

لذلك، بالنسبة لي، المسألة ليست البحث عن حزب ملائكي، فهذا غير واقعي أصلا، بل البحث عن الحزب الأقل استهانة بعقول الناس، والأقل تساهلا مع الفساد حين يظهر داخل صفوفه، والأكثر احتراما لفكرة الدولة والمؤسسات.

السياسة ليست مجالا للطهارة المطلقة، لكنها أيضا ليست عذرا لتطبيع كل شيء.

وحين يصبح وجود المتابعين في قضايا المال العام أو تضارب المصالح أو استغلال النفوذ داخل المشهد الحزبي أمرا “عاديا”، فالمشكلة لم تعد في الأحزاب فقط، بل في السقف الأخلاقي الذي اعتدنا عليه كمجتمع سياسي كامل..