رأي

كوثر جلال: الاستقلالية لا تعني غياب قواعد الحكامة والرقابة لا تعني الوصاية

محامية بهيئة الدارالبيضاء

إذا كان المشرع هو الذي أنشأ هيئات المحامين بقانون، وهو الذي منحها الشخصية المعنوية، وهو الذي عهد إليها بتدبير حسابات الودائع حمايةً لأموال الغير، كما ألزم المتقاضين بأداء رسم المرافعة الذي تستخلصه المحاكم ثم يحول إلى الهيئات لتمويل جزء من مهامها، فإن ذلك يدل على أن التدبير المالي لهذه الهيئات ليس شأنا داخليا محضا، وإنما هو جزء من منظومة قانونية أرادها المشرع لخدمة العدالة وضمان حسن سيرها.

فموارد الهيئات لا تقتصر على اشتراكات المحامين، بل تشمل أيضا موارد ينشئها أو ينظمها القانون، الأمر الذي يقتضي أن يخضع تدبيرها المالي لقواعد قانونية موحدة، لا لأنظمة داخلية قد تختلف من هيئة إلى أخرى.

ويؤكد التاريخ التشريعي لرسم المرافعة هذا التوجه بوضوح. فمنذ إحداثه بمقتضى ظهير 4 مارس 1947، ثم إعادة تنظيمه بموجب قانون المالية لسنة 1984، اعتبره المشرع رسما قضائيا يستخلص لفائدة مرفق العدالة، قبل أن ينص صراحة على تحويله إلى هيئات المحامين لتخصيصه لسد حاجيات مشاريع الاحتياط والمساعدة الاجتماعية لفائدة المحامين.

ولم يكتف المشرع بتحديد مورد التمويل ووجهة صرفه، بل نص أيضا، منذ ذلك الحين، على إمكانية اطلاع وزارة المالية على محاسبة الهيئات. وهو ما يكشف أن المشرع لم يعتبر التدبير المالي لهذه الموارد شأنا داخليا صرفا، وإنما أحاطه، منذ نشأته، بضمانات تروم حسن التدبير والرقابة.

وهذا المعطى التشريعي يطرح بدوره عدة تساؤلات مشروعة: هل ما زالت هذه الموارد تخصص فعلا للغايات الاجتماعية التي أحدثت من أجلها؟ وهل توجد اليوم منظومة محاسبية موحدة تمكن المحامين من تتبع أوجه صرفها وتقييم أثرها؟ وكيف يتم تدبيرها والإفصاح عنها؟

ومن هذا المنطلق تبرز مجموعة من التساؤلات المشروعة: كيف يمكن لهيئات تدبر ميزانيات بملايين و ملايير الدراهم، وتمتلك أصولا عقارية، وتبرم عقودا لاقتناء الأراضي وبناء المقرات، وتدير حسابات ودائع بمبالغ مهمة، ألا تكون ملزمة بإعداد القوائم التركيبية وفق المعايير المحاسبية المتعارف عليها؟


أين الميزانية

 (Bilan) التي تبين الأصول والخصوم والوضعية الصافية للهيئة؟ وأين حساب العائدات والتكاليف (Compte de Produits et Charges) الذي يبرز النتيجة المالية؟ 

وكيف تتم عمليات اقتناء العقارات أو إسناد أشغال البناء والتجهيز؟ 

هل توجد مسطرة قانونية موحدة تضمن المنافسة والشفافية؟ وهل توجد لجنة مختصة لدراسة العروض؟ وهل توثق معايير الاختيار؟ وهل تعرض نتائج هذه العمليات والتقارير المالية على الجمعية العامة؟

إن هذه الأسئلة لا تستهدف الأشخاص، وإنما تتعلق بوجود إطار قانوني واضح يضمن حسن التدبير ويحصن المؤسسات المهنية.

فالشفافية المالية لا تتحقق بمجرد عرض تقرير عن المداخيل والمصاريف، وإنما تقتضي اعتماد نظام محاسبي متكامل، وإعداد قوائم تركيبية سنوية، واعتماد قواعد واضحة لإبرام العقود والاقتناءات، وإخضاعها لافتحاص مالي مستقل، حتى يتمكن المحامون من الوقوف على الوضعية المالية الحقيقية لهيئاتهم.

وقد استغربت أن من بين الحجج التي يستند إليها الرافضون لإخضاع حسابات الودائع لأي رقابة خاصة، الاستشهاد بقرار لمحكمة النقض اعتبر أن الأموال المودعة بحساب الودائع ليست أموالا عمومية بالمعنى المقصود في القانون الجنائي، وأن الهيئة ليست مصلحة ذات نفع عام لأغراض تطبيق الفصل 224 من القانون الجنائي.

والحال أن هذا القرار، في تقديري، يصلح حجة في الاتجاه المعاكس

أولا وقائع النازلة نفسها تكشف عن اختلاس مبالغ مهمة من حساب ودائع المحامين و التي هي في الاصل اموال المتقاضين، لم يُكتشف إلا بمحض الصدفة من طرف مجلس الهيئة. 

فالمال الذي كان محل الاختلاس لم يكن مال الهيئة، بل كان مال المتقاضين والمواطنين المودع بحكم القانون لدى هيئة المحامين.

ويبقى مبدأ أساسي لا ينبغي إغفاله، وهو أن المشرع هو الذي يحدد، بمقتضى القانون، النظام القانوني للأموال والجهات الخاضعة للرقابة. فهو الذي يقرر طبيعة الأموال، ويحدد النظام القانوني الذي يحكمها، كما يملك أن يقرر إخضاع أشخاص أو أموال أو أنشطة معينة لآليات رقابية خاصة كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك، مع احترام أحكام الدستور.

ومن ثم، فإذا ارتأى المشرع أن حسابات الودائع، باعتبارها أموالا للغير أوجب القانون إيداعها لدى هيئات المحامين، تستوجب نظاما خاصا للحكامة والرقابة، فإن ذلك يدخل في نطاق سلطته في تنظيم المهنة وضمان حسن تدبيرها، ولا يتعارض، في حد ذاته، مع مبدأ استقلالية المحاماة، ما دام لا يمس جوهر استقلال الدفاع ولا حرية ممارسة المهنة.

الاستقلالية لا تعني غياب قواعد الحكامة، والرقابة لا تعني الوصاية.