فن وإعلام

'جيرميبلادن' : سيرة روائية عن المناجم وتاريخ المغرب الراهن. 2/1

محمد مستعد (صحفي ومترجم)

غاب عني الزميل والصديق عبد الرحمان عبد الوالي لسنوات. ثم التقيته مؤخرا وقد أصبح كاتبا لسيرة روائية. وجدت أنه لم يتغير. قد تكون شهادتي فيه مجروحة، لكنني عندما جددت اللقاء به في المعرض الدولي للكتاب مؤخرا، وجدته مبتسما كالعادة: لا يقول لك جملة واحدة بدون أن يبتسم. ما زال يملك قدرات خاصة على الحكي الشفوي وعلى انتاج لحظات الضحك والفكاهة. وها هو اليوم يحول تلك القدرات الى سيرة روائية، وحكي مكتوب. وسيرته الروائية "جيرميبلادن" (دار النشر سليكي إخوان) تثير مواضيع كثيرة، وقضايا اجتماعية وتاريخية ذات راهنية أساسية.

1- الحب والوفاء لعيون "اشرب واهرب"

يتضح منذ العنوان وعلى طول فصول الكتاب أنه مفعم بالوفاء للإنسان والأرض، هو نص مليء بالشفافية والجرأة. تسكنه روح القصيدة الشهيرة للمتنبي: "لك يا منازل في القلوب منازل ... اقفرت انت وهن منك أواهل". جرت العادة أن يقال إن ما يدفع أي شخص إلى الكتابة هي 3 دوافع هي: " الشهرة - أو المرأة - أو المال". لكن ما اعرفه عن مؤلف الكتاب هو أنه بعيد عن ثقافة وريع الكتب. هذا الكتاب بعيد عن البيزنيس او "الريع" كبنية سياسية واقتصادية. ومؤلفه اختار ان يدخل الى عالم السيرة الروائية عن قناعة ووفاء، ليقدم لنا حكيا عن منازله القديمة "المقفرة"، وعن تاريخنا المشترك والهامشي.

يحكي الكاتب في البداية عن عيون ماء اسمها عيون: "اشرب واهرب" وهي التي كان قد شرب منها والده وهو يجري هاربا من مخاطر طريق الهجرة الطويل الذي سيقوده من منطقة الريصاني الى قرية "ميبلادن" في الاطلس للبحث عن الرزق. وهي القرية التي سيستقر فيها وسيشتغل في مناجمها. وتعتبر الهجرة تيمة محورية في السيرة: هناك هجرة الفرنسيين الى المغرب كظاهرة استعمارية لاستغلال المناجم والخيرات، وهجرة عائلة الكاتب من الريصاني إلى ميبلادن، ثم هجرة الكاتب من قرية "ميبلادن" إلى الرباط ليشتغل في الصحافة والتواصل. هي إذن هجرات متعددة وطنية ودولية بأثارها ومخلفاتها. جميعنا مهاجرون بشكل أو آخر، لكن الكتاب يتناول نموذجا خاصا من الهجرة الداخلية، ومن هجرة الكتابة أيضا من الهامش الجغرافي والاجتماعي واللغوي، الى المركز الثقافي والسياسي الذي تجسده مدينة الرباط.

يقول عالم الجغرافيا الفرنسي روني راينال عن ظاهرة الهجرة الى "ميبلادن وميدلت"، في دراسة أنجزها في ستينيات القرن الماضي، أن هذه المنطقة عرفت قدوم مهاجرين من آفاق وجنسيات وديانات مختلفة، بل ان هناك من جاء من اليونان. حيث يقول: " إضافة إلى المهاجرين القرويين هناك عدد قليل من البقالة اليهود وبعض الحرفيين الذين استقروا هنا او هناك في الدواوير. لكن المدن هي التي تحتفظ أكثر بهذه الفئات الأخيرة من اليهود وتشغلهم. وقد انتشر صانعو الأحذية من تافيلالت إلى "ميدلت" و"إيتزر"؛ أما التجارة في مدن أعالي وادي مولوية فهي موزعة بين الفاسيين والصحراويين واليهود وعدد قليل من اليونانيين".

2- أدب المناجم:

المثل الاعلى لهذه السيرة الروائية وعتبتها الأولى هي رواية جيرمينال Germinal للكاتب الفرنسي الشهير Emile Zola الذي اشتهر بمساره في الادب وفي الصحافة الملتزمة بقضايا العمال. وهذا واضح منذ البداية، أي منذ العنوان. ذلك أن "جيرميبلادن" هي كلمة مركبة من كلمتين: جيرمينال + ميبلادن. ويكشف هذا الاختيار عن تماهي الكاتب مع أحد ابطال سيرته، وهو عامل منجمي، ومثقف "بروليتاري" (ليس هو الكاتب الرواي لكن قد يكون صديقا له). كان هذا العامل المثقف يحب رواية "جيرمينال" لان واقع المعاناة في المناجم بفرنسا خلال القرن 19 الذي تتناوله هذه الرواية هو، حسب رأيه، واقع يشبه ما عاشته مناجم ميبلادن في القرن 20. 

في الكتاب هناك إشارات وإحالات أدبية (من الكاتب الرواي هذه المرة) على روايات أخرى مثل روايات البريطاني جورج اورويل والكتاب الياباني موراكامي. إلا أن حضور الادب واللغة والثقافة الفرنسية يبقى أكبر واقوى في الكتاب، مما يجعل هذه السيرة "نموذجا نادرا لأدب المناجم" حسب تعبير الكاتب الصحفي لحسن لعسيبي، وان كان الخيط الفاصل بين الخيال وتوثيق الواقع او الوقائع التاريخية يبقى دقيقا وغير واضح احيانا.

وعموما، يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات حول أسلوب الحكي والسرد:

الحوارية: هناك حوارية قوية تتجسد في سلسة من الحوارات بين شخصيات السيرة بحيث يتخيل القارئ أحيانا وكأنه أمام سناريو لسرد سينمائي محكم بالنظر إلى قوة حضور الشخصيات ومضامين الحوارات. نجد مثلا حوارات بين العمال ورجال الباطرونا والسلطة، وحوارات بين سكان القرية فيما بينهم، وحوارات بين الفرنسيين والمغاربة .... وهي كلها حوارات يبدو أحيانا أن ما هو تخييلي فيها يتداخل مع ما هو توثيقي، وهو ما يجعل لعبة الحكي تتعقد على هذا المستوى وتتشابك. هل يمكن القول إن شخصيات الرواية كلها مستلهمة من أبطال أحياء ومتوفين، شهود على تاريخ ومرحلة معينة؟ ام أن فيهم من هم شخصيات من نسج الخيال؟ تبدو أحيانا وكأنها متخيلة احيانا وغير واقعية، أو كأن الكاتب كان حاضرا عند وقوعها أو قام بافتعالها افتعالا (ص191). وهو ما يحيلنا على احدى تعريفات السيرة الروائية. تعتبر "السيرة الروائية ممارسة ابداعية مهجنة من فنين سردين معروفين: السيرة والرواية. لا يقصد بالتهجين معنى سلبيا، إنما التركيب الذي يستمد عناصره، من مرجعيات معروفة، واعادة صوغها وفق قواعد مغايرة 

أسلوب البروتريه: تنبني السيرة إلى حد كبير على سلسلة طويلة من البروترهات التي رسمها الكاتب لتقديم شخصياته وابطاله. وهم مجموعة من نساء ورجال الهامش المنجمي والمجتمعي. ويمكن أن نذكر من بينهم: "الشاب جعفر" الذي هاجر الى اسبانيا ثم التحق بتنظيم جهادي في أسيا – فاضمة الواشمة، تاجرة الجنس أو "اميرة الهامش" - "انطوان لوك" الباطرون الفرنسي، او مدير شركة المناجم - "طوطوش"، الفتاة التي تلقت تربية في دير للراهبات الفرنسيات ثم هربت خوفا من التحرش الجنسي. وإن كان الحكي عن هذه الشخصيات ورسم البورتريهات يتكرر أحيانا.