ولم أر في عيوب الناس عيبا--
كنقص القادرين على التمام.
حين حضر أبو الطيب بعد هدف هايتي الاول ، فهمت أن المباراة ستكون غير عادية، و ان السيناريوهات ستستحيل صعبة ، و ان الفرجة ستكون دون شك كاملة غير منقوصة.
يعود المنطق الى المباراة ، فالفريق المصنف 83 لايمكن أن يغلب منهو مصنف خامسا. ويسجل العميد حكيمي هدف التعادل بعد أن دخل هو وهدفه شباك ذلك الحارس الذي وجدته شخصيا يشبه الغول او يشبه عنترة . نتنفس الصعداء، ونعتقد أن دقائق الكرب قد ولت دون رجعة، لكن هايتي كانت جد موتورة، وليس أمامها سوى المغرب تسترد به كرامتها المهدورة من البرازيل واسكتلندا.
كم هو صعب في الحياة دائما أن تبارز من ليس لديه ما يخسره فيرهقك صعدا . هذا ما يسميه بعض الفلاسفة استبداد الضعفاء.وها نحن قد جربناه تجريبا في هذه المقابلة المثيرة. هايتي كانت قد فقدت كل شيء .صارت خطيرة تلعب دون ضغوط وبكل ماتملك من حماس .
حقائب فريقها كانت في مطار العودة ، وهي لم تكن لتبحث إلا عن شرف هزم الخامس عالميا.... عن شيء ما تفاخر به و تطيب به خاطر جمهوره المكلوم الحاصد للخيبات وللهزائم . ولذلك ، ستخذلنا أمام إصرارها هذا على اثبات الذات ، و على غير عادتها، بركات بونو، وستسجل هايتي علينا هدفًا ثانيًا...لقد لدغنا من الجحر مرتين ايها السادة .
بلال الخنوس لا يلقي المنديل، ويقرر فجأة أن يلعب "كساحر" أيسر، وحكيمي سيشمر عن " قدميه" و يذرع الملعب جيئة وإيابا ويثبت لنا مرة أخرى أنه أسطورة حقيقية ..،بمفرده قوة مغربية ناعمة أو خشنة .اختلط علي الامر .... الأصح انه كان فريق كرة قدم مغربي آخر لوحده تلك الليلة . سيضغط هذان الظهيران من الجانبين في الميمنة والميسرة ...، سيضعان دفاع الخصم بين فكي كماشة، وسيهديان لصيباري هدفه الثالث في المونديال.
كم أنت محظوظ يا إسماعيل أن تشد السماء أزرك بأخويك الرائعين هذين ، و لكن، كم ستصبح مطالبا بهدف خرافي عند كل مباراة تخوضها سواء الان او غدا في البايرن مونيخ . قد كبر الرهان اليوم، و علينا أن نذهب رفقتك لأبعد نقطة.
إبراهيم دياز لم يكن في يوم سعده. ربما أنه تأثر بنقد الجمهور له، كونه يفرط كثيرا في المراوغة، ويسعى أن يستأثر بالتهديف. كلنا أصبح يعرف ذلك عنه، حتى الجدة العجوز التي زارتني البارحة في العيادة رفقة ابنتها حدثها احفادها بنقيصته تلك . و لعل سي ابراهيم ، قد أراد أن يتألفنا من جديد ويلعب جماعيا كما رجوناه ورجاه بدون تأكيد المدرب ، فإذا به يفقد أغلب مهاراته. لقد كان في أسوأ حالاته، لولا أن عطاءه السابق يشفع له.
تقدم البرازيل على اسكتلندا بثلاثة اهداف لصفر ، كما قرأت على الشاشة، جعل المغرب يرسم ثانيا في المجموعة حتى قبل نهاية المبارتين، سواء خرج منتصرًا من هذه الموقعة أو متعادلًا أو حتى منهزما. لكن كيف لفريق المغرب أن يتخلى حتى وهو متأهل لدور ٣٢ عن البطل فيه؟ النجاح ماهو الا تراكم نجاحات متوالية ، والمكانة التي بوأه إياها العالم تأبى عليه ان يقبل بهذا الانكسار، حتى وإن كان انكسارًا لا يغير من مسار المغرب شيئًا على جدول المباريات المقبلة. فهو سيغير نظرتنا إلى أنفسنا. إنه نكوص لن نستسيغه في كل حال .
تلك الهزيمة لو حدثت ، لكانت خدشا في الصورة البهية ، واهتزازًا في الثقة التي نحارب بها داخل الميدان، وتصدعا في إيمان الشعب بمنتخبه القوي ....هذا الإيمان الذي يمثل صمام الأمان في مقابلاتنا، ايمان محفز لكل لعب جميل ولكل تمريرة محكمة...هو من يمنح منتخبنا النصر.
يضبط سفيان رحيمي الكرة ويوجهها كالصاروخ، فتستقر في الشباك . هدف ثالث يشي بأن صاحبه على عكس اسمه لا يرحم الخصوم ابدا ، بل يرحم
هذا الجمهور الولهان المتعلق بفريقه، المرابط في البيوت والمقاهي، الجذلان ، الذي يطرب لما يحققه المغرب من إنجازات كروية شهد بها البعيد قبل القريب .
من ذا الذي لا يعرف المغرب الآن... أسد أفريقيا وبطل العرب ومدرسة العالم الكروية باقتدار؟ البلد الذي سارت بذكره القنوات الفضائية والجماهير الكروية والمتفرجون .
تكتمل روعة اللقاء بهدف جاسيم، كإشارة إلى أن البدلاء ليسوا أقل خطرًا وجسامة من الأساسيين. ترى كم خطة وكم فارسا تخفي في جعبتك يا وهبي. كيف جمعتهم؟ وكيف اخترتهم؟ وكيف أذكيت حب الوطن فيهم إلى هذا الحد؟
لقد لعبنا، ولقد سجلنا، ولكننا أيضًا أخطأنا وأهدرنا. إنها فعلا مباراة كل شيء، مباراة الانتشاء بالنتيجة، والبهجة بالأهداف الجميلة، ومباراة الامتعاض من الفرص الضائعة. و مباراة الاشادة والنقد ؛ و الاطمئنان والتوجس .إنها مباراة رائعة ومفيدة، رائعة لأنها كادت تتحول إلى ملحمة لولا أن التأهيل قد حسم سلفا منذ مباراة اسكتلندا، ومفيدة لأنها عرفتنا بنقاط القوة فينا وأهدت لنا فوق ذلك عيوبنا وثغراتنا :
كشفت لنا هذه المباراة الحاجة الماسة إلى قتالية الحاج مزراوي،فهو أكثر من ضروري . كما أبانت حيوية ونجاعة اللمسات التي يبدعها فوق العشب الأخضر أيوب بوعدي، وكذا تأثير الكاريزما القيادية لحكيمي. و لعلها قد فكت جزئيًا عقدة التسجيل لدى منتخبنا . لقد ظهر الان أن كثيرين بإمكانهم أن يسجلوا سواء كانوا في الوسط، أو في الدفاع أو في الهجوم، إن نحن التزمنا باللعب السهل الممتنع وأقلعنا عن متلازمة الاستعراضيات.
في المقابل، لا يزال الجدار الدفاعي غير محكم، وقد يسمح بتسرب الكرة إلى الشباك...، نحن لازلنا لم نعثر بعد على التوليفة المناسبة التي نضعها قبل الحصن الحصين بونو . فغدا سنواجه خصوما أقوى، وسنخوض مباريات لا هوادة فيها لن يسمح لنا فيها إلا بأحد امرين النصر أو النصر.
هذا كل ما أردت قوله لكم أنا المحلل الكروي البسيط، الفقير في معلوماته الكروية، المقتصد في متابعة أخبار الكرة.المقتصر في كل فرجته على مباريات كأس العالم، المستعين في ما يقول كرويا بما يشرق في قلبه وذهنه من أفكار ورؤى كروية هي في النهاية عبارة عن محض انطباعات او تمنيات من الأعماق .
وعذره في كل هذه الجرأة أنه يظن أن كرة القدم لا تلعب بالمهارة والدربة فقط، ولكن تلعب أيضًا بالذهن الصافي والحب الصادق للوطن، وبالشخصية الكروية التي تجذب الفوز بهالتها حين يصل صيتها إلى الخصوم فتضعفهم قبل أية مباراة، فإذا وقعت المباراة ، كانوا هم ولاعبونا على أنفسهم .
ربما كانت الخسارة في هذه المباراة لا تخرجنا من المونديال، ولكنها كانت ستفقدنا الزخم الذي لنا في هذا المونديال. وهذا خطب عير يسير .
لقد كان النصر ضروريًا جدا . وهبي غامر، وقد كان يملك هامش هذه المغامرة، فجرب أغلب عناصر الفريق، ولعله قد اهتدى إلى الكتيبة التي سنواجه بها هولندا أو اليابان أو السويد.عليه أن يقول للأسود إن البطل لا ينبغي له أن يخشى اي فريق. فللتتويج فائز واحد.
واخيرا لم يكن لي ان أخلد للنوم قبل أن أنضم إلى الجموع التي أثملها النصر والتأهل فخرجت تحتفي وتحتفل بشوارع الرباط . إنها الكرة ياسادة : أعصاب وفرجة ووطنية وفرجة.نعم إنها حمالة لكل المشاعر . و في هذه المباراة التي استصغرناها، اجتمعت كل هذه التوابل دفعة واحدة .
ولكن انظروا قبل ان نفترق ، ها هو المتنبي يعود مرة أخرى، و يتراءى لي بين هذه الجماهير الهادرة. إنه بدوره لم ينم ، ولقد تلاقت عينانا مرة اخرى ، فإذا به يبتسم لي وينشد بيته الشعري الآخر بعد أن حوره بما يستجيب للمقام :
سيعلم الجمع ممن ضم مونديالنا
بأن فريقكم خير من تسعى به قدم.
تبسمت مرة أخرى. وعدت للبيت كي احلم بفوز جديد واهداف جديدة.






