مجتمع وحوداث

سوسيولوجية المقاهي

الجيلالي الفرفار (نائب برلماني/ أستاذ علم الاجتماع)

مساء الخميس، أجلس بإحدى مقاهي شارع فال ولد عمير بأكدال، مقاهي الرباط تمنحك فرصة العودة للذات وتأمل ما يجري أمامك.

 

فجأة، شاب ثلاثيني، صوت محرك دراجته النارية يسبقه، يعلن قدومه، يحمل على ظهره صندوق توزيع المأكولات لشركة كلوفو.

 

هاتف على أذنه والصندوق على كتفه، يوقف الدراجة ويسرع نحو محل الوجبات السريعة.

 

بقيت مشدودًا لهذا المشهد، كيف أن الطعام أصبح يوزع كما كان يوزع ساعي البريد الرسائل في كل صباح. شاب تبدو على وجهه علامات تعب يوم طويل بين مطعم وزبون ودراجة صوتها يزعج السامعين. لا أعرف لماذا تذكرت مسرحية آرثر ميلر: "موت بائع متجول"، فيها يحكي ميلر قصة البائع المتجول الشبيه بالشاب الثلاثيني، العجوز ويلي، صاحب الستين عامًا، الذي فقد الأمل في توفير الرفاهية وكرامة العيش لأسرته، فقرر الانتحار، معتقدًا أن ابنه سيحصل على مبلغ التأمين على حياته والمقدر بعشرين ألف دولار!

 

مسرحية صادمة لدرجة أن المتفرجين كانوا يدخلون في نوبة بكاء شديدة وهم يستحضرون نهايتهم الحزينة بعد انهيار حلم الثروة والرفاهية ورغد العيش! المخابرات الأمريكية وجهت اتهامًا إلى ميلر بدعوى تشويه الحلم الأمريكي والعمالة للشيوعية.

 

فجأة أخذ الشاب الكيس الكرتوني وانطلق سريعًا نحو محنته!

 

في إحدى المواسم الدراسية، وجهت طلبة بحث الإجازة نحو دراسة المقاهي كفضاء اجتماعي، لأهمية البحث ومركزية المقهى في حياة المواطن المغربي.