رياضة

عندما تتحول الهزيمة إلى صدمة جماعية

عبد الصمد بنشريف (كاتب صحفي)

أداء المنتخب المغربي أمام المنتخب الفرنسي بين النقد، ونظرية المؤامرة، وضرورة استعادة العقل.

لم تكن الهزيمة التي مني بها المنتخب المغربي أمام نظيره الفرنسي بهدفين دون رد، في نصف نهائي مونديال 2026، مجرد خسارة رياضية عابرة، بقدر ما تحولت إلى حدث اجتماعي ونفسي واسع النطاق، كشف حجم الاستثمار العاطفي الذي بات المغاربة يضعونه في منتخبهم الوطني. فبمجرد إطلاق صافرة النهاية، خرج النقاش من حدود المستطيل الأخضر، ليمتد إلى الشوارع والمقاهي ووسائل النقل ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث اختلط الغضب بالحزن، والنقد بالإحباط، والتحليل العقلاني بالتفسيرات الغارقة في نظرية المؤامرة.

صباح اليوم، وفي مصحة للأسنان تابعة لإحدى الجامعات الخاصة بالرباط، لم يكن الحديث بين حارس الأمن، وعاملة النظافة، وأحد الزبائن، عن مشاكل الحياة اليومية أو غلاء المعيشة، وإنما عن "كارثة بوسطن"، كما وصفها بعضهم. كان الغضب بادياً على الوجوه، والخيبة واضحة في الكلمات.

قال الحارس بلهجة يغلب عليها الأسى: "فين كانوا اللاعبين؟ غابوا كاملين." واستغرب الغياب شبه التام للمنتخب المغربي عن المباراة، بينما انضم الزبون إلى الحديث قائلاً: "كلما لعب المغرب مع فرنسا يتكرر السيناريو نفسه... ربما للأمر علاقة بالسياسة." أما عاملة النظافة فلم تجد سوى عبارة تختصر إحساس ملايين المغاربة: "قتلونا بالفقسة."

وفي أحد مقاهي حي العرفان، كان المشهد يتكرر بصورة أخرى. رجل يتحدث عبر الهاتف بانفعال واضح، يردد: "Impossible... هادشي مخدوم... واش السياسة دخلات حتى لكرة القدم؟" ثم يضيف: "لو لعبوا بنفس قتالية المنتخب المصري، لكان الإقصاء مشرفاً على الأقل." قبل أن يعدد أخطاء المدرب محمد وهبي، وانتقاداته لاختياراته الفنية، مؤكداً أن المنتخب بدا تائهاً، مرتبكاً، فاقداً للثقة والتركيز، وأن بونو وحده حال دون نتيجة أثقل.

وفي الطاولة المجاورة، كان شاب وفتاة يعيدان النقاش نفسه. قال الشاب: "ما لعبوش كاع... حتى لاعب ما بان بمستواه... كانوا تايهين." ولم تكن كلماته سوى صدى لما كان يتردد في آلاف التعليقات والمنشورات عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي.

لقد كشفت الساعات التي أعقبت المباراة عن انقسام واضح في الرأي العام المغربي.

فالفريق الأول، وهو الأكثر انفعالاً، اعتبر أن ما وقع يتجاوز مجرد سوء الأداء، وذهب بعض أفراده إلى تبني فرضيات تتحدث عن "تدخل السياسة"، أو عن "أمور خفية" لا علاقة لها بكرة القدم، في استعادة كلاسيكية لنظرية المؤامرة كلما عجز العقل الجمعي عن تفسير هزيمة لم يكن مستعداً لتصديقها.

أما الفريق الثاني، فاختار مقاربة أكثر هدوءاً، معتبراً أن المنتخب الفرنسي يمتلك خبرة تراكمية، وبراغماتية تكتيكية، ونجاعة هجومية، مكنته من فرض منطقه على المباراة، وأن الاعتراف بقوة المنافس لا ينتقص من قيمة ما حققه المنتخب المغربي خلال السنوات الأخيرة، بعدما رسخ مكانته ضمن نخبة المنتخبات العالمية، وأصبح من بين أفضل ثمانية منتخبات في العالم.

غير أن هذا التفسير لم يمنع عدداً كبيراً من الخبراء والإعلاميين من توجيه انتقادات تقنية واضحة. فقد شددوا على أن الخسارة بهدفين ليست المشكلة في حد ذاتها، وإنما الطريقة التي خسر بها المنتخب. فالجميع كان مستعداً لتقبل الإقصاء أمام فرنسا، لكن ما استعصى على الفهم هو الغياب الجماعي عن أجواء المباراة، والتراجع المبالغ فيه، وغياب الحلول الهجومية، وكثرة التمريرات الخاطئة، وفقدان الانسجام، والتردد، والارتباك، والعجز عن مجاراة نسق اللقاء، وكأن الفريق الذي واجه فرنسا لم يكن هو نفسه الذي أبهر العالم في المباريات السابقة.

في المقابل، ظهر خطاب آخر يدعو إلى وقف موجة الانتقادات، ويرى أن المنتخب الوطني أصبح يشكل أحد رموز الإجماع الوطني، وأن تحويل اللاعبين إلى هدف لحملات الجلد الجماعي لا يخدم مصلحة الكرة المغربية. بل ذهب بعض المدافعين عن هذا الطرح إلى التعامل مع المنتخب باعتباره أشبه بـ"مقدس رياضي"، لا يجوز المساس به، معتبرين أن الوطنية تقتضي الاكتفاء بالشكر والتقدير لما تحقق، وعدم الانجرار إلى جلد الذات بعد كل تعثر.

غير أن هذا المنطق، رغم وجاهة دوافعه، يثير بدوره أسئلة مشروعة. فالمحبة لا تعني تعطيل النقد، والدعم لا يعني تعليق العقل. فالمنتخبات الكبرى في العالم تتطور لأنها تراجع أخطاءها بصرامة، لا لأنها تعتبر نفسها فوق المساءلة.

في النهاية، يمكن القول إن ما عاشه المغاربة بعد مباراة فرنسا يشبه إلى حد بعيد صدمة جماعية. فقد كانت التوقعات مرتفعة إلى درجة جعلت كثيرين غير قادرين على استيعاب الصورة التي ظهر بها المنتخب. وتردد سؤال واحد في كل مكان: هل هذا هو المنتخب نفسه الذي هزم اسكتلندا وهايتي وهولندا وكندا، وتعادل مع البرازيل، وأقنع العالم بأنه أصبح رقماً صعباً في كرة القدم الدولية؟

قد لا يحمل هذا السؤال جواباً واحداً، لكنه يكشف حقيقة لا جدال فيها: لقد ارتفعت مكانة المنتخب المغربي في الوجدان الوطني إلى مستوى غير مسبوق. ولهذا السبب تحديداً، كانت الخيبة بحجم الحلم، وكانت الهزيمة، في نظر ملايين المغاربة، أكثر من مجرد نتيجة في مباراة كرة قدم؛ لقد كانت انهياراً مؤقتاً لحلم بدا، حتى مساء الخميس، قريباً من أن يتحول إلى حقيقة.