غادر المنتخب المغربي نهائيات كأس العالم وهو من الثمانية الكبار من ضمن 48 منتخبا من مختلف قارات العالم الذين تنافسوا في نهائيات دورة كندا / المكسيك/ الولايات المتحدة الأمريكية..
غادر وهو السادس في الترتيب العالمي للفيفا و الأول إفريقيا كونه المنتخب الإفريقي الوحيد الذي بلغ دور الربع في دورتين متواليتين والوحيد الذي بقي في المنافسة من ضمن عشر منتخبات إفريقية..
لغة الأرقام كلها في صالح المغرب إفريقيا ومن دول الجنوب المعولم على كافة المستويات التقنية والاحصائية والأخلاقية (التنافس الشريف ربحا وخسارة).. بالتالي فإن ما هو مدون في التاريخ مدون فيه يبز الجميع ويعلي من مكانة الكرة المغربية بمقاييس عالمية.. وليس في مكان ما هو هذا هو الأهم..
إن ما يهم في هذه القراءة الأولية لما بعد المونديال مغربيا، هو تمثل ما يمكن توصيفه إجرائيا ب "روح المونديال".. أي ذلك الشعف والطموح الذي انتجته المشاركات المغربية شعبيا عند الفرد المغربي على كافة مستوياته الإجتماعية والمؤسساتية في محفل عالمي هائل لصناعة المجد والرضى على الذات ونسج الرمزيات التي تكون بأبعاد حضارية ثقافيا وسلوكيا، مثل نهائيات كأس العالم..
هنا كانت المباراة الأهم التي ربحها المغاربة أمام أنفسهم، لأنهم ربحوا مكرمة الثقة في الذات من موقع قدرة التنافس ضمن كوكبة الكبار عالميا..
إن الثقة في الذات وفي ممكناتها وقدراتها على العطاء رأسمال كبير في خطو الشعوب والأمم على درب الحياة..
على القدر نفسه الذي مهم التمييز ضمن مجالنا من الجنوب المعولم (المكبل بأعطاب متراكبة فيها الخيارات السياسية وفيها أسئلة التربية السلوكية العمومية وفيها مدى القدرة على تنسيب الحقائق وامتلاك مكرمة احترام الإختلاف والقدرة على امتلاك جرأة ممارسة النقد الذاتي)، التمييز بين من يرى في لعبة رياضية عالمية مؤثرة مثل كرة القدم آلية من آليات تحقيق التنمية ضمن مشروع مجتمعي للتحديث والتطوير والتقدم، وبين من يرى فيها مجرد وسيلة للتدجين والتحكم والتلهية.. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون..
هنا يحق التساؤل مغربيا، أين نحن من هذين الخيارين؟.
إن المسؤولية الأدبية والأخلاقية تفرض الإقرار أننا في مرحلة "بين بين" مقارنة بغالبية محيطنا الإفريقي.. فكرة القدم مؤسساتيا اصبحت عندنا آلية من الآليات الاستراتيجية للتنمية في معناها العام على مستوى القرار المركزي للدولة، من حيث جعلها قاطرة من ببن قاطرات أخرى متعددة ومختلفة لتحقيق التنمية (نموذج رهان وتحدي المشاركة في تنظيم كأس العالم 2030)، وأنها مجال نجرب فيه مغربيا مكرمة البناء المؤسساتي المنظم، المنتج والمسؤول، تأسيسا على روح المحاسبة، بكل الترسانة القانونية والتنظيمية التي يفرضها ذلك الخيار. وايضا على مستوى البنى التحتية المتقدمة جدا بمقاييس عالمية (مراكز تكوين، بنية ملاعب متقدمة واحترافية، قانون منظم للفرق كشركات تخضع للمحاسبة... إلخ).. مثلما أن هناك (طبيعيا) بنيات للفساد والمفسدين من داخلنا الذين يقتنصون الفرص للركوب على أي مشروع للتطوير مماثل يرون فيه مجرد فرصة للربح الذاتي عبر تطوير تقنيات الإفساد (بعض رموزهم انتهوا إلى السجن كرسالة سياسية على أن هناك خطوطا لا يمكن تجاوزها في تعطيل خيار التقدم رياضيا ومؤسساتيا ضمن القرار المركزي الإستراتيجي للدولة)..
بالتالي، فنحن مغربيا في مرحلة تحول وانتقال وتطوير، لها منطقها وفاتورتها وتحدياتها الطبيعية، تجعلنا نحقق الإختلاف عن خيارات أغلب الدول من ضمن مجالنا الجنوبي المعولم التي ترى في لعبة رياضية شعبية ككرة القدم مجرد آلية للتحكم والتدجين والتلهية..
إن هذا الإختلاف المغربي هو الذي يحارب من أصحاب هذا التوجه الثاني من ضمن مجالنا الإفريقي والجنوبي. لأنه مزعج لخياراتهم السياسية التدبيرية داخليا من حيث هو يقدم نموذجا مختلفا لممكنات تطوير ناجحة من الجنوب.. وأنه بالتالي يشكل آلية ضغط بايجابيته ونتائجه الملموسة في الواقع الملموس من داخل بنية مجتمعاتهم ووعي الناس العمومي بدولهم.. فتكون النتيجة من بين أشكال المواجهة هي إطلاق حملات تتفيه بشكل هستيري ضد النموذج المغربي بخطاب اتهامات أخلاقية الغاية منها تلطيخ صورة ذلك النموذج في الوعي العام لمواطنيهم أساسا عبر تجييشهم في معارك دينكيشوطية بئيسة..
هنا مهم الوعي والاقرار أن خيارات تلك الدول مفروض أنها لا تعنينا مغربيا مجتمعا ودولة، وأنه من الفطنة عدم الانخراط ضمن منطقها بالجواب على تهافت مخططاتها الداخلية التي من أسسها وغاياتها الوقيعة بين شعوب بلداننا الإفريقية..
إن منطق العقل مغربيا كوننا منخرطون ضمن مشروع استراتيجي للتنمية بأذرع مختلفة تم تطوير آلية كرة القدم والرياضة كواجهة من واجهات التنمية فيه غايته صناعة نموذج للفرد المغربي له أساس تربوي سلوكي يقبل منطق الحق والواجب ويلتزم بروح التنافس الشريف ويوقن بأن لكل مجتهد نصيب من حيث الإعلاء من قيمة ومكرمة العمل وليس التواكل والنصب والاحتيال.. إن منطق العقل أقول يوجب علينا مغربيا دفتر تحملات لا يجوز لنا التفريط في أسسه التي عمادها الأكبر هو أن لا نحيد عن الطريق السيار الإستراتيجي الذي ارتضيناه لأنفسنا ضمن تحديات واجبات وممكنات التقدم والنماء..
إن طريقنا ليست بقوة الواقع وصلابة الخلاصات الملموسة في الواقع الملموس هي ذات طريق الآخرين.. ولكل حرية اختيار طريقه، إذ من واجبات حقوق الإنسان عالميا أن تترك للسفيه أن يكون سفيها، على القدر نفسه أن من أسس حقوق الإنسان أن لا نسمح لأنفسنا بأن نشبهه في سفاهته..
إن للنجاح دوما عبر التاريخ ثمنا وله أيضا خصوم وأعداء..
إن روح المونديال التي تهمنا مغربيا دروسها، هي أن مكرمة الثقة في الذات وفي القدرة على اجتراح الفوز رأسمال هائل، من الواجب دعمها في باقي مجالات العطاء المغربية في الصحة والتعليم والعدالة المجالية وبنية الجماعات الترابية والأمن والعدالة وفي التربية السلوكية اليومية للفرد المغربي تلك التي تبتدأ من احترام إشارات المرور حتى واجب تأدية الضرائب مرورا بحماية كل مجالات الخدمات العمومية التي هي رأسمال جماعي لنا كلنا كمغاربة..
هذه هي روح المونديال التي تهمنا وتعنينا وتمنحنا الفوز باختلافنا كأمة ودولة ومجتمع عن غيرنا..
نحن لسنا أحسن من غيرنا، نحن نؤمن فقط أننا مجرد فقراء إلى رحمة الله، نسعى إلى الصلاح ما استطعنا إليه سبيلا.. لأننا موقنون أن ما ينفع الناس يمكث في الأرض وأن الباقي يذهب جفاء..
ارفع رأسك أيها المغربي فأنت تصنع مجدك الخاص بالقليل الذي في اليد، بكل الامتحانات التي تواجهنا أمام القبح الذي في الذات قبل الآخرين..
إرفع رأسك فأنت تحاول، وهذا هو المهم لأن لكل مجتهد نصيب.. أما من يختار طريق جهنم فليس له عندنا غير الدعاء القانت الصادق " أوصلك الله على خير"..
شكرا لفتية محمد وهبي على ما منحتموه لنا من شغف وفرح واعتزاز.. نثق فيكم من حيث يقيننا أنكم على الطريق الصحيح وأنكم تملكون أيضا شجاعة النقد الذاتي وتصحيح الأخطاء وأنكم على درجة عالية من التربية السلوكية التي تعلي من قيمة وطنكم وأبنائه أمام العالمين..






