انتهى مشوار المنتخب المغربي في البطولة، ووصل للمرة الثانية على التوالي لدور الربع، لكنه خرج هذه المرة بطريقة مؤلمة، وعلى يد المنتخب نفسه الذي أقصاه في مونديال قطر2022. غير أن الفارق بين المشاركتين كان واضحا، ففي قطر، ورغم الإقصاء، خرج المنتخب بصورة المنتصر "أخلاقيا"، بعدما قدم أداء أقنع العالم بأنه أصبح قادرا على منافسة كبار المنتخبات، ونجح في صناعة لحظة استثنائية غير مسبوقة في تاريخ كرة القدم العربية والإفريقية. أما هذه المرة، فقد بدا الخروج مختلفا، ليس فقط بسبب النتيجة، وإنما لأنه أعاد إلى الواجهة سؤالا ظل مؤجلا منذ ذلك الإنجاز التاريخي: هل ما حققه المغرب كان ثمرة مشروع كروي متكامل، أم مجرد لحظة استثنائية صنعتها ظروف خاصة وجيلا موهوبا؟
هذا السؤال ليس جديدا في تاريخ كرة القدم. فقد عرفت بطولات كأس العالم، منذ نشأتها، منتخبات صنعت مفاجآت مدوية، ثم اختفت من الواجهة بعد سنوات قليلة. فقد بلغت رومانيا وبلغاريا والسويد وتركيا وكوريا الجنوبية أدوارا متقدمة في بعض النسخ، حتى اعتقد كثيرون أنها دشنت مرحلة جديدة في تاريخها الكروي، غير أن أغلبها عاد إلى مستواها السابق، لأن ما تحقق كان مرتبطا بجيل استثنائي أكثر من ارتباطه ببناء منظومة متكاملة لإنتاج المواهب وتجديدها. لذلك كان التحدي الحقيقي بالنسبة للمغرب، بعد مونديال قطر، لا يكمن في الاحتفاء بما تحقق، وإنما في إثبات أن الإنجاز يمثل بداية مشروع طويل النفس، لا مجرد استثناء تاريخي.
غير أن المؤشرات التي أعقبت مونديال قطر لم تكن كافية لحسم هذا السؤال. ففي كأس إفريقيا التي احتضنها المغرب، ورغم الإمكانيات التنظيمية واللوجستية والجماهيرية الضخمة، ورغم الأموال الكبيرة التي تصرف على كرة القدم، لم يتمكن المنتخب من حسم اللقب داخل أرضية الملعب بعد تعثره أمام السنغال، وأصبح جزء من النقاش المرتبط بالبطولة بين أيدي الهيئات الانضباطية داخل الكاف، قبل أن ينتقل إلى محكمة التحكيم الرياضية (الطاس). وبغض النظر عن المآل القانوني لهذا الملف، فإن مجرد انتقال جزء من النقاش من المستطيل الأخضر إلى قاعات التقاضي يكشف أن المشروع الكروي لم يعد يقاس فقط بما يحققه اللاعبون داخل الملعب، وإنما أيضا بما يحيط به من رهانات مؤسساتية وإدارية وسياسية.
لكن السؤال الأكثر عمقا يتعلق بطبيعة المشروع الرياضي نفسه. فالمنتخب المغربي يضم عددا كبيرا من اللاعبين الذين ولدوا خارج المغرب، وتكونوا داخل مدارس كروية أوروبية، واستفادوا من منظومات احترافية في التكوين والتأطير والتنافس. أما اللاعبون الذين تكونوا داخل المنظومة الوطنية فما زالوا يشكلون الاستثناء أكثر من القاعدة. ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في وطنية لاعبي الجالية أو في قيمة ما قدموه للمنتخب، فقد كانوا أحد أهم أسباب الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة، وإنما يتعلق بتقييم قدرة المنظومة الرياضية المغربية على إنتاج لاعبيها بنفسها.
فالمشروع الكروي الحقيقي لا يقاس بعدد اللاعبين الذين يتم استقطابهم لتمثيل المنتخب من بلدان المهجر، وإنما بعدد اللاعبين الذين صنعتهم مدارس التكوين الوطنية، وانتقلوا منها إلى أعلى مستويات المنافسة الدولية. فحين تعتمد دولة، بصورة دائمة، على مواهب تكونت خارج حدودها، فإن ذلك قد يعكس نجاحا في الاستقطاب أكثر مما يعكس نجاحا في التكوين. والفرق بين الأمرين كبير، لأن الاستقطاب يظل رهينا بوجود جاليات كبيرة في الخارج وباختيارات فردية للاعبين، وبالقدرة على منافسة منتخبات الدول التي تكون فيها هؤلاء اللاعبون، والتي تنجح، في الغالب، في الاحتفاظ بأفضل المواهب واستقطابها لتمثيل منتخباتها الوطنية، بينما يمثل التكوين استثمارا مؤسساتيا طويل الأمد يضمن استدامة النجاح وتجدد الأجيال.
ولعل ما عاشه المغرب هذه السنة يكشف بوضوح هذا الخلل في ترتيب الأولويات. ففي الوقت الذي كان فيه المنتخب الوطني يشارك في أكبر تظاهرة كروية عالمية، استمرت منافسات البطولة الوطنية في التوقيت نفسه. ومن الصعب العثور على نموذج مماثل في الدوريات الكبرى، حيث تتوقف البطولات المحلية عادة خلال المواعيد الدولية الكبرى. وإذا كانت هذه الوضعية قد فرضتها اعتبارات تنظيمية مرتبطة بتزاحم الاستحقاقات، وخاصة احتضان المغرب لكأس إفريقيا، فإنها تعكس أيضا محدودية عمق المنظومة الكروية الوطنية، وتؤكد أن الرهان ظل منصبا على المنتخب الأول أكثر من انصبابه على بناء بطولة وطنية قوية تشكل القاعدة الطبيعية لتغذيته.
ومن هنا يصبح النقاش سياسيا أكثر منه رياضيا. فالمشكلة لا تكمن في خسارة مباراة أو الإقصاء من بطولة، وإنما في طبيعة الرهان الذي وضعته الدولة على كرة القدم خلال السنوات الأخيرة. فقد تحولت كرة القدم إلى إحدى أبرز واجهات "القوة الناعمة" المغربية، وأصبحت الإنجازات الرياضية تقدم بوصفها دليلا على نجاح النموذج الوطني، وعلى صعود المغرب إقليميا ودوليا، وعلى قدرته على تنظيم أكبر التظاهرات الرياضية العالمية. وعندما توضع كرة القدم في هذا الموقع، فإنها تكف عن أن تكون مجرد لعبة، لتصبح جزءا من الخطاب السياسي الرسمي، وعلامة من علامات "الاستثناء المغربي".
وقد ترتب عن ذلك تضخم غير مسبوق لمكانة كرة القدم داخل المجال العام، حتى غدت تستقطب قدرا من الاهتمام الإعلامي والسياسي والشعبي يفوق بكثير حجمها الطبيعي باعتبارها نشاطا رياضيا. ولم تعد نتائج المنتخب مجرد نتائج رياضية، بل أصبحت أحداثا وطنية كبرى تستأثر بالنقاش العمومي، وتطغى في كثير من الأحيان على قضايا لا تقل أهمية، بل قد تكون أشد تأثيرا في حياة المواطنين، كالتعليم والصحة والتشغيل وجودة الخدمات العمومية. وهكذا تحولت كرة القدم إلى فضاء لإنتاج الرمزية الوطنية، وإلى أداة فعالة في صناعة الصورة وتسويق الإنجازات.
وهذا التحول قد لا يكون خاصا بالمغرب، بل يندرج ضمن ظاهرة عالمية أصبحت فيها الرياضة أداة لإنتاج الصورة والرمز والشرعية. غير أنه يكتسب، في المغرب وفي بلدان أخرى تتسم بتداخل أكبر بين الرياضة والسياسة، دلالة خاصة، إذ تصبح الإنجازات الرياضية جزءا من الخطاب الرسمي حول نجاح الدولة، ويغدو النجاح الرياضي معيارا يحاكم من خلاله الأداء العام للدولة، رغم أن التنمية لا تقاس بنتائج المنتخب، ولا جودة التعليم بعدد الأهداف المسجلة، ولا قوة الاقتصاد بعدد البطولات، ولا جودة المؤسسات بترتيب منتخب وطني في بطولة دولية. فالرياضة عموما، وليس كرة القدم فقط، قد تكون ثمرة لدولة قوية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا عن قوة الدولة نفسها. ولذلك يصبح كل تعثر رياضي قابلا لأن يقرأ سياسيا، لأن الرهان الذي وضع على كرة القدم تجاوز حدودها الطبيعية باعتبارها نشاطا رياضيا.
ويزداد هذا النقاش أهمية إذا استحضرنا أن المغرب يستعد لتنظيم تظاهرات رياضية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، وهو ما يفرض الانتقال من منطق الاحتفاء بالإنجازات الظرفية إلى منطق بناء منظومة رياضية متكاملة ومستدامة. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الملاعب التي تشيد، ولا بحجم التظاهرات التي تنظم، وإنما بقدرة هذه الاستثمارات على توسيع قاعدة الممارسة الرياضية، وإنتاج أجيال جديدة من الرياضيين، وتطوير المدرسة المغربية في التكوين، والانتباه إلى أننا كنا ذات يوم مدرسة عالمية في ألعاب القوى، وربط الرياضة بالمدرسة والجامعة والبحث العلمي والاقتصاد الرياضي، حتى تصبح جزءا من مشروع تنموي متكامل، لا مجرد واجهة لتسويق الإنجازات أو إنتاج الصورة.
وهناك حاجة اليوم إلى التمييز بين بناء مشروع رياضي وطني طويل النفس وبين توظيف النجاحات الرياضية لخدمة رهانات سياسية أو شخصية أحيانا. فحين تتحول الإنجازات الرياضية إلى وسيلة لصناعة صورة "المنقذ" أو "رجل المرحلة"، الذي سينقد المغرب من "الضلال"، يصبح الاهتمام منصبا على إنتاج الرموز أكثر من بناء المؤسسات، وعلى البحث عن المكاسب السياسية الآنية أكثر من ترسيخ إصلاحات هيكلية طويلة الأمد. أما الدول التي نجحت في المجال الرياضي، فلم تبن نجاحها على الأشخاص، مهما كانت كفاءتهم، وإنما على مؤسسات مستقرة، وسياسات عمومية متواصلة، وآليات للحكامة والمحاسبة تضمن استدامة الإنجاز واستقلاله عن تغير المسؤولين.
ولهذا فإن النقاش الذي ينبغي أن يفتح اليوم لا يتعلق بسبب الخروج من بطولة معينة، ولا بالبحث عن مسؤول مباشر عن خسارة مباراة، وإنما بتقييم "المشروع الكروي" المغربي برمته. هل نجح فعلا في بناء منظومة قادرة على إنتاج المواهب من داخلها؟ وهل أصبح الاستثمار في كرة القدم جزءا من سياسة رياضية شاملة تشمل مختلف الرياضات، أم أنه تحول إلى رهان شبه حصري على اللعبة الأكثر شعبية لأنها الأكثر قدرة على صناعة الصورة والتأثير في الرأي العام، ودغدغة العواطف، وصرف اهتمام الرأي العام عن المشاكل الحقيقية؟
إن المشكلة، في جوهرها، ليست في خسارة مباراة أو ضياع لقب، وإنما في تحويل كرة القدم إلى مقياس لنجاح الدولة كلها. فحين تصبح لعبة رياضية أداة لإنتاج الشرعية السياسية، يتحول كل انتصار إلى دليل على نجاح السياسات العمومية، وكل هزيمة إلى مناسبة للتشكيك فيها. أما الدولة التي تبني شرعيتها على قوة مؤسساتها، وجودة تعليمها، وصلابة اقتصادها، وعدالة سياساتها، فإن الرياضة تكون إحدى ثمار هذا البناء، لا بديلا عنه ولا غطاء له.
ولذلك، فإن مستقبل كرة القدم المغربية لن يتحدد بنتيجة مباراة، أو حتى بربح بطولة، وإنما بقدرة المغرب على بناء مشروع رياضي مؤسساتي يجعل الإنجاز قاعدة لا استثناء، ويعيد الرياضة إلى موقعها الطبيعي باعتبارها رافعة للتنمية، وقطاعا من بين قطاعات السياسة العمومية، يخضع مثل غيره للمساءلة والتقييم والمحاسبة، دون أن يتحول إلى المعيار الوحيد الذي تقاس به حصيلة السياسات العمومية أو يصرف به الانتباه عن التحديات الحقيقية. فكثير من الدول الكبرى، سياسيا واقتصاديا، لم تتمكن منتخباتها من بلوغ كأس العالم، ومن شارك منها لم يحقق نتائج استثنائية. وهو ما يؤكد أن قوة الدولة لا تقاس بنتائج منتخبها، وأن النجاح الرياضي، مهما كانت أهميته، يظل مؤشرا جزئيا لا مرآة شاملة لأداء الدولة أو مستوى تقدمها.
هناك حاجة إلى كثير من التواضع، وإلى التحرر من نزعة تضخيم الذات، وإعادة ترتيب الأولويات، وتجنب المعارك الصغيرة التي تغذيها كرة القدم، وإدراك أن بناء مستشفى أو مدرسة أو جامعة قد يكون، بالنسبة إلى المجتمع، أكثر أهمية وأثرا من بناء أكبر ملعب لكرة القدم في العالم.






