سياسة واقتصاد

الانتخابات... بين المحاسبة والتطبيع مع الفشل

محمد الطالبي

ليست الانتخابات مجرد سباق على المقاعد، ولا مناسبة لتبادل الشعارات والوعود، بل هي لحظة مجتمعية فاصلة لاختبار معنى المحاسبة في الديمقراطية. فبعد خمس سنوات من الغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفوارق الاجتماعية، يصبح السؤال الحقيقي: هل ستعكس صناديق الاقتراع حصيلة هذه المرحلة، أم أننا دخلنا زمن التطبيع مع الفشل؟

خمس سنوات من التغول مارستها حكومة الباطرونا الثلاثية الأبعاد على حساب الطبقة العاملة ومختلف الفئات الاجتماعية. خمس سنوات غُيّبت خلالها المطالب المشروعة للشغيلة، وفي مقدمتها إخراج مدونة شغل عادلة، وسن قوانين تحمي كرامة العامل والعاملة، وتصون حقوق الموظفين والأجراء، بدل تركهم يواجهون وحدهم قسوة السوق وارتفاع تكاليف المعيشة.

لقد تحولت حياة ملايين العاملات والعمال والموظفين إلى معاناة اجتماعية واقتصادية حقيقية، تحت وطأة الغلاء والتضخم وتآكل القدرة الشرائية، بينما ظلت الأجور جامدة، واستمرت أوضاع الشغل الهش، واتسعت دائرة الفوارق الاجتماعية.

وفي المقابل، شهد المغرب اتساعاً غير مسبوق لاقتصاد الريع، بل إن مظاهره لم تتوقف عند الاستمرار، وإنما جرى تكريسها وتقنينها تحت مسميات مختلفة، من بينها برامج الدعم التي خُصصت لها مليارات الدراهم، واستفاد منها أشخاص وجهات بعينها، في وقت كان الأولى أن تُوجَّه هذه الأموال إلى دعم الإنتاج، وخلق فرص الشغل، وتحسين أوضاع المواطنين، بدل أن تتحول إلى مصدر جديد للإثراء غير المشروع، بينما حُرم ملايين المغاربة من أبسط مقومات العيش الكريم.

إن حصيلة خمس سنوات ليست مجرد أرقام أو مؤشرات اقتصادية، بل هي واقع يومي يعيشه المواطن المغربي، عنوانه اتساع الفجوة بين من يزدادون ثراءً بفضل الامتيازات، ومن يزدادون فقراً بسبب السياسات التي همّشت الشغيلة، وأضعفت الطبقة الوسطى، ووضعت العدالة الاجتماعية في آخر سلم الأولويات.

وأمام مشهد كهذا، إذا لم تنعكس هذه الحصيلة على مخرجات صناديق الاقتراع، فسنكون في حاجة إلى دراسة علمية جادة لفهم التحولات التي مست المجتمع المغربي. فهل تحولنا إلى مجتمع يستهلك السياسات اللاشعبية ويتعايش معها دون مساءلة؟ وهل أصبحنا نطبع مع الغلاء، وتراجع الحقوق، واتساع الفوارق الاجتماعية، حتى لم تعد تشكل دافعاً للمحاسبة الديمقراطية؟

إن الديمقراطية لا تكتمل بمجرد تنظيم الانتخابات، بل تترسخ حين تصبح صناديق الاقتراع أداة لمحاسبة من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام على أساس الحصيلة والوفاء بالالتزامات. أما إذا عجزت عن أداء هذه الوظيفة، فإن السؤال لن يكون فقط عن نتائج الانتخابات، بل عن مستقبل ثقافة المحاسبة، وعن طبيعة العلاقة التي أصبحت تربط المواطن بالفعل السياسي، وعن قدرة الديمقراطية نفسها على تصحيح اختلالاتها.