رأي

عمر الشرقاوي: المملكة برواية سيادية

لعل أهم وظيفة قام بها الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء جلالة الملك العرش هو تقديمه لرواية سيادية مرجعية وتحكيمية حول أوضاع المملكة، رواية لا تخفي الشمس بالغربال، ولا تنجرف نحو العدمية، لا ترتاح للتفاؤل المطلق ولا تقبل التشاؤم المرضي بل تصوغ الحقيقة الوطنية بكثير من الصدق والمسؤولية. 

قبل خطاب العرش، تجاذبت المشهدَ السياسي الوطني روايتان تستقي كلٌّ منهما مشروعيَّتها من مصلحتِها المباشرة، رواية حكومية تميل بطبعها إلى الاحتفاء المطلق بالإنجازات، والرضى عن الذات، ورواية معارضة ترتكز غالباً على النقد الحاد، وتنزع في أحايين كثيرة نحو التشكيك وبث نفحات من الإحباط والتبخيس والعدمية. في مقابل هذين الأفقين الضيّقين المحكومَيْن بالزمن الانتخابي وهموم المقاعد، جاءت الرواية السيادية الصادرة عن أعلى سلطة في الدولة لتطرح رؤية مختلفة وتتحرك وفق زمن الدولة والتراكم المؤسساتي الممتد عبر العقود، لا وفق الزمن الحكومي والبرلماني والانتخابي المحكوم بولاية خماسية ضيقة.


لقد وضعت الرواية السيادية التي جسدها الخطاب الملكي لعيد العرش الحد الفاصل بين الأجندات المرحلية والأهداف الاستراتيجية حين أكد أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية المحققة تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية. بهذه الصياغة الدقيقة، يُسقط الخطاب عن التنمية طابع المزايدات الحزبية، ليجعلها مشروعاً أمة متواصلاً، محصناً ضد التقلبات السياسية ومناورات كسب الأصوات.


إن البناء الفلسفي للرواية السيادية اعتمد آلية تفكيك منهجية لروايتي الحكومة والمعارضة، معوضاً إياهما برؤية استراتيجية متوازنة. فلم ينجرف الخطاب الملكي نحو الاحتفائية المطلقة، بل أقر بالانجازات المسجلة ونبه لواقع الصعوبات والإكراهات، موجهاً توجيهات دقيقة ومباشرة لقطاعات حيويّة. فقد دعا الخطاب بوضوح القطاع المالي والمصرفي إلى الخروج من منطق الأرباح التقليدية وتأمين مساهمة حقيقية عبر إحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج للتمويلات البنكية وغير البنكية الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة وللابتكار. 

كما شدد الخطاب على ضرورة التنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية المندمجة لتشمل كل المناطق والجهات دون استثناء، وهو تذكير صريح للحكومة بأن ثمار النمو يجب أن تُترجم إلى عدالة مجالية ملموسة.

وفي مواجهة تجار خطابات الشعبوية والتبخيس والعدمية واليأس، قدم الخطاب حقائق أرقام صلبة لا تقبل التكذيب. فالرواية السيادية تسلحت بمؤشرات النماء؛ بدءاً من تحقيق معدل نمو ناهز 4.9%، مروراً باستقبال 20 مليون سائح، وصولاً إلى التحول الهيكلي التاريخي الذي أصبحت فيه صادرات السيارات والطيران تشكل أكثر من 40% من إجمالي الصادرات الوطنية متقدمة لأول مرة على الفوسفاط.


لم يكن التفاؤل الذي دعا إليه جلالة الملك مجرد شعار لرفع المعنويات، بل كان تفاؤلا واقعيا، يصنع الطمأنينة ويحارب الإحباط. لقد رسم الخطاب الملكي معالم السيكولوجيا الوطنية المطلوبة في هذه المرحلة الفاصلة، محذراً من أن اليأس هو العائق الأكبر أمام الصعود الاقتصادي.

لتتوج الرواية السيادية مسارها برسم أفق سياسي واستراتيجي واضح لمرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة. فالمطلوب من الحكومة القادمة والمؤسسات المنتخبة ليس البدء من نقطة الصفر، ولا الانخراط في صراعات هامشية، بل إطلاق دورة تنموية جديدة شعارها المحوري تحصين المكاسب ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى.

الخلاصة أن خطاب العرش أثبت مجدداً أن الرواية السيادية هي بوصلة الأمة التي تتسامى فوق السجالات الصغرى. إنها الرواية التي تجعل من خدمة المواطن وتأمين عيشه الحر الكريم الغاية الوحيدة للسلطة، فارضة معادلة قيادية حازمة، لا مكان للتبخيس أمام لغة الإنجاز، ولا مجال للتراخي أمام مسؤولية بناء المغرب الصاعد.