رأي

يوسف غريب: وأخيرا..المغرب خارج جغرافيا الرئيس الجزائري

يقول الفيلسوف الإسباني أورتيغا إي غاسيت: ( قل لي كيف تتحدث أقول لك من تحاول أن تخدع) ..

كلما أطلّ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في خرجاته الإعلامية يمر هذا القول بخاطري مشفوعاً بابتسامة تلقائية...

فالرجل يصرّ على مخاطبة العالم بلغة لا تمتّ بصلة للأعراف الدبلوماسية ولا لقيم وأخلاق رجال الدولة بل بلسانٍ أقرب إلى سجالات المقاهي لغةٌ مشحونة بـ ( انا عندي الغاز ديالي) ومفخخة بوعيد وتهديد.. ( نهدم خيمة بوه )

مع شحّ شديد في اللباقة والكياسة التليدة.

جلستُ أمام الشاشة أتابع هذا العطف الإنساني المباغت الذي هبط على سيادته وبدون مقدمات قرر الرئيس – فجأة – أن يرتدي جلباب المساعد الاجتماعي الدولي يضغط على شفتيه بصرامة حنونة ليعلن للعالم استعداد بلاده لإنفاق المليارات لوجه الله تعالى فقط كي يساعد نيجيريا المسكينة على تصدير غازها لأوروبا الغارقة في الجليد

أقسم الرجل بملامح حادة أنه لا يريد شيئاً لنفسه قائلاً:

أنا عندي الغاز ديالي..

وعندي المناجم ديالي

وبدا في تلك اللحظة كمن يوزع الصدقات في حارة سياسية طامعاً في دخول الجنة عبر أنابيب العطف الإقليمي

غير أن السحر السردي سرعان ما انكسر بجملة واحدة اعتلت وجهه معها ملامح انكسار صريح..حين قال بأسى حزين:

(.. اللي بغا يدير شي حاجة أخرى.. الله يعاونو..)

وهنا تحديداً يكمن مربط الأنبوب ومكمن الصدمة..! فالرجل كاد يبكي من التمدد السلس والمحسوب للشريط الأطلسي مشروع أنبوب الغاز المغربي-النيجيري الذي يواصل حصد الاعترافات بواقعيته الاستراتيجية وكان آخِرَها الضرباتُ القاضية المتمثلة في التوقيعات الرسمية الحاسمة لدول غرب إفريقيا وفي مقدمتها النيجر التي انحازت للواقعية الميدانية والضمانات الأطلسية ووقّعت رسمياً لصالح المسار المغربي، معلنةً بشكل عملي موت المشروع الورقي العابر للصحراءالذي ظل يطارد السراب.

لقد اكتشف سيادته فجأة أن دول المنطقة والنيجر تحديدا لم تعد تشتري الأوهام وأن الدنيا لا تنتظر من يهدد بهدم الخيم بل تذهب لمن يملك الخطة والعمل والرؤية النافذة.

ومن هول الصدمة جاءت«السقطة الجغرافية الأكبر حين راح يعدد جيرانه الذين يحبهم ولن يؤذيهم أبداً:

تونس النيجر مالي ليبيا تشاد وموريتانيا..

ونسي — أو تناسى متعامداً — أن هناك جاراً يمتد على طول حدوده الغربية اسمه المملكة المغربية

نعم استثنى المغرب وكأنه غير موجود في سلوكٍ لا يخلو من طفولية سياسية كذاك الذي يغضب من جاره ولا يستطيع إزاحة بيته فيغمض عينيه ويدعي أنه لا يراه.

لكننا هنا في المملكة وبكل ثقة وراحة بال سعداء جداً بهذا التجاهل الجغرافي.


نرى في هذا الاستثناء تحسناً ملموساً ونوعياً فأن يكتفي سيادته بإزاحتنا من خريطة لسانه أرحم بكثير وأخف من معزوفاته الكلاسيكية المعتادة عن «تصفية الاستعمار» و«الدولة المحتلة»، وتلك الأسطوانة المشروخة التي صدع بها رؤوسنا لسنوات.

أن ينسانا في الجغرافيا..

خير ألف مرة من أن يتذكرنا في أوهامه الأيديولوجية الانفصالية!

سيدي الرئيس..

يمكنك محو المغرب من خريطتك التلفزيونية ويمكنك توزيع الغاز بقلبك الإنساني الكبير.. لكنك لن تستطيع محو الواقع الميداني والتوقيعات الرسمية لنيامي وأبوجا وباقي العواصم فالجغرافيا الصامتة أكثر بلاغة من الصخب الإعلامي والمشاريع الاستراتيجية تُبنى بالرؤية والعرق لا بـ صدقات الغاز ولا بوعيد هدم خيمة بوه.

وفي انتظار اللقاء القادم مع «تبّونيات» أخرى خالدة.. سيبقى المغرب يمارس السياسة بعقل الدولة المؤسساتية ويترك لغيره متعة العيش في أوهام الحكايات.

فشتان بين من يرفع الأعمدة للبناء.. ومن ينشغل بهدم الخيم.