من السياسة الإيديولوجية إلى الديمقراطية المجتمعية: نحو رؤية مغربية جديدة للدولة والمجتمع
لم يعد السؤال الذي يواجه المغرب، مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، هو من سيفوز بالأغلبية، ولا كيف سترتفع نسبة المشاركة، ولا أي التحالفات ستتشكل بعد الاقتراع. فهذه الأسئلة، على أهميتها، أصبحت تنتمي إلى مرحلة من تطور الديمقراطية لم تعد وحدها كافية للإجابة عن التحديات التي يطرحها المغرب في القرن الحادي والعشرين.
لقد أصبح السؤال الحقيقي أكثر عمقًا: كيف يمكن تحويل المجتمع من مجرد كتلة انتخابية إلى شريك دائم في صناعة القرار العمومي؟
ذلك أن الديمقراطية، كما عرفها العالم خلال القرن الماضي، قامت أساسًا على التمثيل السياسي وتداول السلطة. أما اليوم، فإن التحولات الاجتماعية والرقمية والاقتصادية تفرض الانتقال إلى مرحلة جديدة يصبح فيها المجتمع نفسه منتجًا للسياسات، لا مجرد متلقٍ لها.
المغرب يتغير... والسياسة تتأخر
يصعب إنكار أن المغرب حقق خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة.
فقد تعززت دولة المؤسسات، وترسخت الجهوية المتقدمة، وانطلقت الدولة الاجتماعية، واعتمد النموذج التنموي الجديد، وتسارعت وتيرة الرقمنة، وأصبح المغرب فاعلًا إقليميًا ودوليًا يحظى بمكانة متقدمة.
لكن، في المقابل، يبدو أن جزءًا من الحياة السياسية ما يزال أسيرًا لمنطق قديم، يقوم على الاستقطاب الحزبي، واستدعاء المرجعيات الإيديولوجية، وممارسة الشعبوية، وتبادل الاتهامات، أكثر مما يقوم على التنافس حول جودة السياسات العمومية.
وهنا تكمن المفارقة السوسيولوجية الكبرى: فالدولة تتطور بوتيرة أسرع من تطور المجتمع السياسي. كما أن المجتمع نفسه أصبح أكثر تعقيدًا، وأكثر تعليمًا، وأكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر قدرة على إنتاج المعرفة والمبادرات، بينما ما تزال الوساطة السياسية التقليدية عاجزة عن استيعاب هذه التحولات.
من السياسة الإيديولوجية إلى سياسة الإنجاز
لقد دخل المغرب مرحلة أصبح فيها المواطن أقل اهتمامًا بالشعارات وأكثر اهتمامًا بالنتائج. لم يعد السؤال: من يمثل اليمين أو اليسار؟ بل أصبح السؤال: من يستطيع تحسين المدرسة؟ ومن يطور المستشفى؟ ومن يخلق فرص الشغل؟ ومن ينجح في تدبير التحول الرقمي؟ ومن يجعل الإدارة أكثر كفاءة؟ وهذه هي أسس مشروع الطريق الرابع.
إن شرعية المستقبل لن تُبنى على قوة الخطاب، وإنما على قدرة الفاعلين على إنتاج الحلول. ولهذا فإن الانتخابات المقبلة يمكن أن تشكل لحظة تاريخية للانتقال من شرعية الانتماء إلى شرعية الكفاءة، ومن السياسة الإيديولجية إلى سياسة الإنجاز، إذا ما توفرت الإرادة السياسية وتم فتح جسور الحوار من أجل بناء مغرب المستقبل.
الديمقراطية التمثيلية بلغت حدودها
ليست الأزمة في الديمقراطية نفسها، وإنما في اختزالها داخل لحظة التصويت. فالمواطن لا ينبغي أن يظهر مرة كل خمس سنوات، ثم يعود إلى موقع المتفرج. لقد أظهرت التجارب المقارنة أن الديمقراطية تصبح أكثر قوة عندما يمتلك المجتمع قدرة دائمة على المبادرة والاقتراح والتقييم والمساءلة.
وهنا تبرز بوضوح الرؤية التي يقترحها الطريق الرابع: الديمقراطية المجتمعية.
وهي ليست بديلًا عن الديمقراطية التمثيلية، بل مرحلة أكثر تقدمًا في تطورها. فالبرلمان يشرع، والحكومة تنفذ، والقضاء يحكم. أما المجتمع فينظم نفسه، ويبتكر، ويراقب، ويشارك في إنتاج الصالح العام.
المجتمع ليس كتلة مطالب... بل رأسمال وطني
ينطلق الطريق الرابع من فرضية سوسيولوجية بسيطة، لكنها حاسمة: المجتمع ليس مشكلة ينبغي تدبيرها، وإنما طاقة ينبغي تحريرها.
فالمغرب يزخر بآلاف الجمعيات، وآلاف الكفاءات، وملايين الشباب، والخبرات المحلية، والتعاونيات، والطاقات الرقمية. غير أن معظم هذه الإمكانات ما تزال تعمل بصورة متفرقة، أو تنتظر دائمًا المبادرة من الدولة. بينما المستقبل يتطلب الانتقال من دولة تدبر المجتمع إلى دولة تمكن المجتمع. والتمكين هنا لا يعني انسحاب الدولة، بل إعادة تعريف دورها.
فالدولة الحديثة ليست تلك التي تقوم بكل شيء، وإنما التي تجعل المجتمع قادرًا على القيام بما يستطيع القيام به بنفسه، مع احتفاظها بوظائفها السيادية في الأمن والعدالة والتضامن وضمان تكافؤ الفرص.
التنظيم المجتمعي... من الاحتجاج إلى صناعة الحلول
بعد أكثر من أربع عشرة سنة من اعتماد العمل الأكاديمي والفعل الاجتماعي، التي جمعت بين إنتاج المعرفة والتدخل الميداني في عدد من مناطق المغرب، وخاصة المناطق الهامشية، أصبح واضحًا أن التنمية المستدامة لا تتحقق فقط عبر السياسات العمومية، بل أيضًا عبر بناء مجتمع منظم يمتلك القدرة على الفعل الجماعي.
ومن هنا يجعل الطريق الرابع من التنظيم المجتمعي محورًا لمشروعه. فهو يعمل على مواكبة المواطنين، خصوصًا الفئات الأقل نفوذًا، حتى ينظموا أنفسهم بصورة مستقلة، ويصبحوا قادرين على:
1. مساءلة الجماعات الترابية والإدارات العمومية.
2. التفاوض مع الفاعلين الاقتصاديين.
3. اقتراح حلول للمشكلات المحلية.
4. المشاركة في تقييم السياسات العمومية.
5. الدفاع عن الصالح العام بالحوار والتفاوض، لا بمنطق الصدام.
وبذلك ينتقل المواطن من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في القرار.
السلطة ليست احتكارًا... بل علاقة اجتماعية
تكشف السوسيولوجيا السياسية أن السلطة ليست مجرد مؤسسات رسمية، بل هي شبكة من العلاقات الاجتماعية التي تتوزع داخل المجتمع. ومن هنا فإن بناء الديمقراطية لا يقتصر على إصلاح الدولة، بل يقتضي أيضًا إعادة توزيع القدرة على الفعل داخل المجتمع نفسه.
فالطريق الرابع لا يدعو إلى القطيعة مع الدولة، ولا إلى إضعافها، وإنما إلى تجديدها من الداخل عبر تنمية قوى مجتمعية مستقلة، قادرة على ممارسة المساءلة الديمقراطية، والمشاركة في إنتاج السياسات، وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. إنها قوة مواطنة، لا قوة معارضة دائمة. وقوة اقتراح، لا قوة احتجاج فقط.
الرقمنة تعيد تعريف الديمقراطية
لقد أحدثت الثورة الرقمية تحولًا جذريًا في المجال العمومي. فلم تعد الأحزاب وحدها تحتكر صناعة الرأي العام. بل ظهرت نخب جديدة داخل الفضاء الرقمي تمتلك قدرة واسعة على التأثير. غير أن الديمقراطية لا يمكن أن تختزل في عدد المشاهدات أو المتابعين.
فما يحتاجه المغرب هو تحويل التكنولوجيا إلى فضاء للمشاركة المنظمة، عبر منصات تسمح للمواطنين بالمبادرة، واقتراح الحلول، وتقييم الخدمات العمومية، وإنتاج المعرفة الجماعية. فالرقمنة ينبغي أن تعيد توزيع فرص المشاركة، لا أن تعيد إنتاج اللامساواة.
نحو رؤية مغربية للديمقراطية
لا يقترح الطريق الرابع استنساخ تجربة أمريكية أو فرنسية أو بريطانية. فلكل مجتمع تاريخه وثقافته ومؤسساته.
ومن ثم، فإن الديمقراطية المجتمعية المغربية ينبغي أن تنبع من خصوصيات الدولة المغربية، ومن إمارة المؤمنين، والوحدة الوطنية، والجهوية المتقدمة، والدولة الاجتماعية، والنموذج التنموي الجديد، والتحول الرقمي، والرأسمال الحضاري المغربي القائم على التعدد والتوافق.
إنها محاولة لبناء نظرية مغربية في الديمقراطية، تجعل من الدولة إطارًا للتمكين، ومن المجتمع قوة اقتراح، ومن المواطن فاعلًا دائمًا في إنتاج المصلحة العامة.
الانتخابات المقبلة... بداية مرحلة جديدة
قد تكون الانتخابات المقبلة آخر انتخابات تُخاض بمنطق الاستقطاب التقليدي، وأول انتخابات ينبغي أن تُفتح فيها المنافسة حول الكفاءة، وجودة السياسات العمومية، والقدرة على الإنجاز. فالمغرب لم يعد يحتاج إلى مزيد من الصراع حول المرجعيات، بقدر ما يحتاج إلى توافق وطني حول المستقبل.
ولذلك، فإن الرهان الحقيقي لم يعد فقط تداول السلطة، وإنما توزيع القدرة على الفعل بين الدولة والمجتمع.
إن الديمقراطية التي يحتاجها المغرب خلال العقود المقبلة ليست فقط ديمقراطية الصندوق، بل ديمقراطية المبادرة؛ وليست فقط ديمقراطية الأغلبية، بل ديمقراطية المشاركة؛ وليست فقط ديمقراطية تداول السلطة، بل ديمقراطية إنتاج الحلول وبناء الصالح العام.
ذلك هو، في جوهره، الطريق الرابع.
فهو ليس حزبًا جديدًا، ولا إيديولوجية جديدة، ولا حركة احتجاجية جديدة، بل رؤية مغربية متكاملة لتجديد العلاقة بين الدولة والمجتمع، تجعل من المجتمع شريكًا في التنمية، ومن المواطن منتجًا للسياسات، ومن الديمقراطية ممارسة يومية لا موعدًا انتخابيًا.
وإذا كان القرن العشرون قد انشغل ببناء الدولة الوطنية، فإن التحدي الأكبر للقرن الحادي والعشرين هو بناء المجتمع الوطني الفاعل؛ مجتمع يمتلك القدرة على التنظيم، والمبادرة، والمساءلة، والتفاوض، والإسهام في صناعة المستقبل. هنا يبدأ، في تقديرينا، المشروع الفكري والسياسي للطريق الرابع، بوصفه أفقًا مغربيًا جديدًا للديمقراطية والتنمية والإنجاز.
وفي هذا السياق، يأتي خطاب العرش الذي يوافق الخميس 30 يوليو ، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرون لتولي الملك محمد السادس الحكم، في لحظة سياسية استثنائية، لا لأنه يسبق فقط الاستعدادات للانتخابات التشريعية لسنة 2026، بل لأنه يتزامن مع مرحلة بلغ فيها المغرب مستوى متقدمًا من التحول المؤسساتي والاقتصادي والدبلوماسي، في وقت يبدو فيه المشهد الحزبي مطالبًا أكثر من أي وقت مضى بتجديد أدواته ورؤاه لمواكبة هذه الدينامية الوطنية. ولذلك، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: من سيفوز في الانتخابات المقبلة؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: أي سياسة يحتاجها المغرب لمواصلة أوراشه الكبرى؟ وهل آن الأوان للانتقال من التسابقات الانتخابية الهستيرية، والشعارات الشعبوية، والصراعات الإيديولوجية العقيمة، إلى تنافس وطني حقيقي حول المشاريع، والكفاءات، والإنجازات؟ إن مستقبل المغرب لن يُحسم فقط في صناديق الاقتراع، بل في قدرته على بناء ديمقراطية مجتمعية تجعل من المواطن شريكًا دائمًا في صناعة القرار، ومن الكفاءة معيارًا للاختيار، ومن الإنجاز أساسًا للمحاسبة، ومن الصالح العام أفقًا جامعًا لكل الفاعلين. ذلك هو الأفق الذي يقترحه الطريق الرابع: الانتقال من ديمقراطية التنافس على السلطة إلى ديمقراطية التنافس على بناء المستقبل.
مؤسس الطريق الرابع






