كنت أقول، إن ذلك الحدث، يستحيل في رأيي المتواضع أن يقع في نفس الموعد، ونفس الانطلاقة، وبنفس القوة الكاسحة، لو أنه لم يكن مخطَّطاً له من قبل، ولم يكن هناك مَن يحرك شُخوصَه من وراء الستار، ومن خلف الحجب، من خارج الوطن احتمالاً، وما أكثر أعداء الوطن وحُسّاده بالخارج، أو من داخله افتراضاً، وما أوسع دائرة صنّاع الفِتَن بداخله، من الإسلامجيين، ومن عُبّاد الكوفية، ومن فصائل أخرى لا يمكن وصفها سوى بالحربائية. لكن في أحسن الحالات، قد يكون التدبير صادراً عن جهات، ربما مخابراتية، أرادت ان تلقّن رئيس الحكومة الإسبانية درساً لن ينساه، بعد ان رتّب زيارة مُريبة في توقيتها وظرفيتها لنظام الموراديا، الذي يعلم سانشيز انه يمارس معنا لعبةً خطيرةً وهدّامة، لا يجد ذلك النظام حرجا في جعلها وسيلة تهديد لأمن وطننا واستقراره.
ستون ألفاً من المواطنين ذكوراً وإناثاً ومن مختلف الأعمار، يُساوون بالتقريب خُمُس تعداد المشاركين في المسيرة الخضراء... وبالتالي فإخبارهم، وإقناعهم، وتحفيزهم، ثم تدبير نقلهم إلى نقطة الانطلاق، وتيسير تنقلهم وتجميعهم، ثم إعطاء الإشارة لهم بالاكتساح في ذات التوقيت وذات الموقع... كل ذلك، يستحيل أن يتم هكذا اعتباطاً، أو بفعل الصدفة، أو بتلقائية وعفوية، ماعدا في إحدى حالتين: إما أن يكون الأمر مدبَّراً ومطبوخاً على نار هادئة لقضاء أوطارٍ معيّنة؛ وإما أن يكون مشهداً من "فيلمِ خيالٍ علمي"، يختلط فيه الواقع بالوهم، والحقيقة بالهَوَس الفكري والسلوكي...
فأيُّ الاحتمالَيْن أقرب إلى حقيقة ذلك الذي حدث في ذلك اليوم؟!
شخصياً، أميل للاحتمال الأول، ولكنني لا أُجزم إن كان التدبير مغربياً مدروساً، يروم "قرص أذن" رئيس وزراء إسبانيا، حتى يحسب جيدا سلوكاته التي قد يُساء فهمها من لدننا، أو كان مخططاً مبيَّتاً يريد مهندسوه إفساد أفراح الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، كما سبق ان فعلوا في ذكرى سابقة مماثلة بالاستعانة بالنازحين الأفارقة.
وتبقى الأسئلة ذاتها شائكةً وحارقة:
- "هل يمكن للبحر أن يتحرك هكذا بتلقائية؟
- هل تتجمع الجموع وتتحرك هكذا اعتباطاً، بلا قائد، بلا إشارة، بلا نقل، وبلا دافع ولا حافز؟
إذا كان الجواب "نعم، وأن أبطال الحدث خرجوا بفعل "اليأس"، كما سوّق البعض، فلماذا لم يخرجوا بالأمس؟ لماذا لم يخرجوا غداً؟ وبالتالي لماذا اختاروا بالذات، اليوم الذي نحتفل فيه برمز سيادتنا الوطنية؟
إذَنْ... مَن قال لهم أن يفعلوا ما فعلوه في ذلك "اليوم" بالذات؟ ومن قال لهم "ان يفعلوه في ذلك الموقع والتوقيت بالتحديد"؟
ومَن صوّرهم بسرعة قياسية ونشر صُوَرَهم وفيديوهاتِهم في مختلف جهات العالم قبل أن تجف مياه البحر مِن على أبدانهم؟
إن الأمر هنالك لم يعد يتعلق بهجرة، بل أصبح يتعلق برسالة... وفي هذه الحالة مَن الذي أرسلها؟ وإلى مَن أرسلها ولِأيِّ غرض؟
والآن بعد أن رأينا المشهد... مَن الخاسر؟
أليسوا هم أولئك الأطفال الذين غُرِّر بهم؟
أليست هي صورة وطننا التي ربما أريد لها أن تُصاب بِبُقَعِ السَّواد؟
ومرة أخرى، مَن الرابح؟
أليس تاجر البشر الذي اعتاد أن يقبض الثمن؟
أليس صانع الفتنة في الخارج، الذي وجد مادته الدسمة والمؤدَّى عنها ب"الغازودولار"؟
أليس الرابح افتراضاً هو داعية "سقوط الدولة" في الداخل، ذلك الملتحي الذي أكاد أقسم أنه صفّق لذلك الحدث والمشهد وفَرِحَ له في إبانه أيَّما فرحة؟
ويبقى السؤال الأخير والأهم: هل سنكتفي بالبكاء على الحدود المخترَقة، والتي هي حدودنا مع جزء محتل من جغرافيتنا؟ أم سنبدأ بمساءلة العقول التي اختُرِقت قبل تلك الحدود؟
هل سنواجه مَن رمى أبناءنا في البحر وبين أيدي جيران مُريبين ومشكوك في صدقهم تجاهنا؟ أم سنواجه من غسل عقولهم قبل ذلك وألقى بهم في غياهب المجهول؟ وإلى متى سنُسَمّي الخيانة "رأياً حُرّاً"؟ وإلى متى سنستمر في تسمية التدبير "تلقائيةً وعفويةً"؟
علماً بأن الحدود التي سقطت في ذلك اليوم لم تكن حدود مغربنا مع "سَبْتَتِنا السليبة" فقط، بل كانت حدود صمتنا نحن... فهل حان إذَنْ وقتُ الكلام؟.. ذاك هو السؤال !!!






