قضايا

توازن المغرب العربي على محك الأزمات

محمد خوخشاني (قيادي سابق في حزب التقدم والاشتراكية)
لا يزال الفضاء المغاربي، الذي تسره ديناميات تاريخية مشتركة وطموحات متقاسمَة، يُعدُّ واحدةً من أكثر مناطق العالم العربي تجزؤاً. فبين المغرب والجزائر، القوتين المتجاورتين ذواتي المسارات المتباينة، يبرز السعي لتحقيق توازن سياسي واقتصادي ودبلوماسي كضرورة استراتيجية ملحّة. بيد أن هذا التوازن بات اليوم مضطرباً بسبب أزمات غير مسبوقة، على غرار النزوح الجماعي لنحو 60 ألف شخص – شباباً وكهولاً – نحو الجيب الإسباني سبتة في مايو/أيار 2021، ثم في 2023-2024(6) ومؤخرا في يوليوز-غشت 2026، وهو ما يكشف عن التوترات الاجتماعية الداخلية وهشاشة العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد. وفي سياق دولي تتسم بإعادة تشكيل التحالفات، وتزايد الرهانات الطاقوية والأمنية، وتدفقات الهجرة المتصاعدة، لا تبدو تعزيزات مغرب مستقر ومندمج مجرد تحدٍّ إقليمي، بل ضرورة جيو-سياسية واجتماعية وإنسانية.

1. الموروثات التاريخية والانقسامات المستدامة.

منذ استقلال الجزائر عام 1962، ظلت العلاقات بين الرباط والجزائر مشوبة بعدم الثقة. وقد بلور النزاع حول الصحراء المغربية، الذي نشب عام 1975 إثر المسيرة الخضراء، التوترات وأدى إلى إغلاق الحدود البرية عام 1994. وقد شلَّت هذه الخلافات اتحاد المغرب العربي، الذي أُنشئ عام 1989، والتي لا تزال مؤسساته رمزية إلى حد كبير. غير أن التاريخ يُبرهن على أن مصائر الشعوب المغاربية متشابكة بشكل وثيق: فعلى المستويات اللغوية والثقافية والاقتصادية، تتجلى مكامن التكامل بوضوح. ووفقاً للبنك الدولي، فإن تكاملاً إقليمياً فعّالاً من شأنه أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي لكل بلد مغاربي بمعدل 2 إلى 3 نقاط نمو سنوي (1). لكن هذه الإمكانات تظل حبراً على ورق، لغياب الإرادة السياسية المشتركة.

2. المغرب: مسار صاعد لنموذج استقرار تحت الضغط.

رغم المحاولات المتكررة لزعزعة الاستقرار، فرض المغرب نفسه كقطب إقليمي للاستقرار والنمو. فبدفع من الملك محمد السادس، أطلق البلد منذ عقدين سلسلة من الإصلاحات الهيكلية: تطوير بنيات تحتية كبرى (القطار فائق السرعة، موانئ طنجة المتوسط، الناظور غرب المتوسط)؛ واستثمارات ضخمة في الطاقات المتجددة (محطة نور بورزازات)؛ وصعود القطاع الصناعي (السيارات، الطيران، الأدوية). وفي عام 2024، سجل المغرب نسبة نمو بلغت 3,4%، وتجاوزت صادراته السياراتية 14 مليار يورو (2). من جهة أخرى، فإن الاعتراف المتزايد بمغربية الصحراء من قبل العديد من الدول (الولايات المتحدة، إسبانيا، إسرائيل، كينيا، إلخ) يعزز الموقف الدبلوماسي للمملكة (3).

غير أن هذا الصرح الاقتصادي والدبلوماسي يهتز بسبب توترات اجتماعية داخلية وضغوط هجرات خارجية. فقد كشفت أحداث سبتة الأخيرة – حيث عبر أو حاول عبور آلاف المهاجرين، المنحدرين غالباً من مناطق مغربية شمالية مهمشة – عن الضيق الاجتماعي المستمر. وهذه التحركات السكانية، التي يسخرها سياسياً بعض الفاعلين، تُعبر عن شعور بالتخلي وفقدان الآفاق في مناطق محيطية، تعجز مخططات التنمية الجهوية عن معالجتها.

3. الجزائر ومفارقاتها الداخلية ورهاناتها.

الجزائر، الغنية بمواردها الطبيعية ولاسيما الغازية، لا تزال تعتمد اعتماداً كبيراً على الريع الطاقوي. ورغم أن ارتفاع أسعار الغاز قد حسّن عائداتها منذ عام 2022، إلا أن التحديات الداخلية ما زالت قائمة: بطالة الشباب التي تتجاوز 26%، وتفاوتات جهوية مستمرة، وعجز في جذب الاستثمارات الأجنبية (4). كما أن السياسة الخارجية للجزائر، التي تتسم بموقف مواجهة تجاه المغرب، تزيد من عزلتها الدبلوماسية، بينما تحتاج المنطقة إلى تقارب لمواجهة التحديات المناخية والهجرات. غير أن الجزائر بإمكانها لعب دور رئيسي في الاستقرار الإقليمي، لاسيما بتيسير إعادة فتح الحدود والمشاركة في مشاريع الربط الطاقوي مع جيرانها، شريطة إعادة توجيه دبلوماسيتها نحو البراغماتية.

4. الضرورة الاجتماعية والهجرية: صدمة سبتة ككاشف.

لا يمكن اختزال نزوح عشرات الآلاف من الأشخاص نحو سبتة في حادث حدودي بسيط. فهو يكشف عن أزمة ثلاثية الأبعاد: اقتصادية (نقص فرص العمل والآفاق للشباب)، واجتماعية (تفاوتات جهوية صارخة)، ودبلوماسية (تسخير تدفقات الهجرة في العلاقات بين المغرب وإسبانيا). وقد أحدثت هذه المأساة الإنسانية صدمة في كلا البلدين، مجددة التوترات التاريخية حول الثغور الإسبانية، ومهدرة الثقة التي بُنيت بصبر بين الرباط ومدريد منذ تطبيع العلاقات عام 2022.

وبالنسبة للمغرب، تُعد هذه الأحداث جرس إنذار: فالنجاح الاقتصادي الكلي لا يكفي إذا لم يصاحبه سياسة اجتماعية شاملة وتوزيع أفضل لعائدات النمو. فمعدل البطالة الإجمالي البالغ 11,8% (وهو أعلى بكثير بين حاملي الشهادات) يغذي الإحباط والرغبة في الرحيل، مما يخلق أرضية خصبة للاتجار والهجرة غير النظامية. لذلك، يجب على الدولة المغربية تسريع الإصلاحات الهيكلية: تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح جوهري للمنظومة التعليمية، وتعزيز اللامركزية، ومكافحة الفساد. وإلا، ستبقى التوازنات الداخلية هشة وستتكرر حلقات الهجرة.

5. تداعيات على العلاقات المغربية-الإسبانية: نحو ميثاق جديد أم ريبة جديدة؟

اختبرت أزمات الهجرة في سبتة الشراكة الاستراتيجية بين المغرب وإسبانيا، التي تحسنت بشكل ملحوظ بعد دعم مدريد الصريح للحكم الذاتي للصحراء المغربية في مارس/آذار 2022. وقد أتاح هذا التقارب استعادة تعاون سلس في المجالين الهجري والأمني، مع تراجع في الوافدين غير القانونيين إلى الثغور الإسبانية. لكن موجات العبور الجماعية، التي نظرت إليها بعض وسائل الإعلام الأوروبية أحياناً على أنها "تهديد" أو "ابتزاز بالهجرة"، أعادت إحياء الشكوك والتوتر (7).

ومن الآن، يبرز سيناريوهان:

● سيناريو التعاون المعزَّز: يمكن للرباط ومدريد تحويل هذه الأزمة إلى فرصة من خلال إبرام اتفاقية إطارية شاملة تجمع بين المساعدة المالية الأوروبية لتنمية مناطق شمال المغرب، والمراقبة المشتركة للحدود، والاعتراف المتبادل بالمصالح الاستراتيجية (خط أنابيب الغاز، الأمن البحري، مكافحة الإرهاب). من شأن هذا الميثاق من الجيل الجديد أن يحقق الاستقرار على الحدود ويعزز الثقة، مع منح المغرب ورقة ضغط للمطالبة بمزيد من التنازلات بشأن الصحراء المغربية.

● سيناريو التوتر المطوَّل: إذا تمسك كل طرف بمنطق الشك والتسخير، فإن الحدود ستُغلق مجدداً، وستعود الخطابات القومية بقوة، وقد تتجه إسبانيا نحو الجزائر لتزويدها بالطاقة، على حساب المغرب. وهذا السيناريو من شأنه أن يفاقم عدم الاستقرار الإقليمي، وتكون له عواقب وخيمة على التدفقات التجارية والاستثمارات الإسبانية في المغرب، والأمن على أبواب أوروبا.

والاتحاد الأوروبي، المنشغل بمخاطر زعزعة استقرار الجوار الجنوبي، من مصلحته لعب دور ميسّر، بربط مساعداته بإحراز تقدم ملموس في مجال حقوق المهاجرين، والتنمية المحلية، والحوار الثنائي.

6. آفاق 2030: نحو تأسيس مغاربي جديد وتعاون أوروبي-مغاربي متجدد.

يفترض تحقيق توازن مغاربي حقيقي إعادة فتح الحوار بين الرباط والجزائر، برعاية إقليمية أو إفريقية، بالإضافة إلى إقامة حوار ثلاثي (المغرب-الجزائر-إسبانيا) حول قضايا الهجرة والطاقة. ومحاور التعاون الممكنة عديدة: الطاقة الخضراء والربط الكهربائي (المغرب-الجزائر-تونس)؛ والأمن الغذائي والزراعة المستدامة؛ وتنقل الطلبة والاعتراف المتبادل بالشهادات؛ والسوق المغاربية المشتركة، التي من شأنها تنشيط التبادلات داخل المنطقة التي لا تتجاوز حالياً 4% من التجارة الإجمالية (5). ومثل هذا التكامل من شأنه أن يعود بالنفع على الجميع وأن يعزز السيادة الجماعية للمغرب العربي في مواجهة الضغوط الخارجية.

على الصعيد الثنائي، ينبغي للمغرب وإسبانيا أن يجعلا من الهجرة ركيزة استراتيجية لتعاونهما، وذلك باستبدال المنهج الأمني الرديدي بمنهج تنموي استباقي. وهذا يتطلب إنشاء صندوق مشترك لتشغيل الشباب في المناطق الحدودية، وتنظيم أوضاع العمال المغاربة في إسبانيا، وإنشاء مرصد دائم لتدفقات الهجرة.

خاتمة.

توازن المنطقة المغاربية ليس مجرد مثال سياسي؛ بل هو ضرورة تاريخية واجتماعية. لقد ذكرتنا أحداث سبتة بوحشية بأن الهشاشات الداخلية للمغرب – كما تلك التي تعاني منها الجزائر – لا يمكن طمسها باستمرار عبر نجاحات دبلوماسية أو اقتصادية. فالتماسك الاجتماعي، والعدالة الترابية، والديمقراطية التشاركية ليست خيارات، بل شروطاً حتمية لاستقرار دائم. فالمغرب، بقوّة مكاسبه، ملزم بإطلاق "ميثاق اجتماعي وإقليمي جديد". أما الجزائر، فمن مصلحتها إعادة توجيه دبلوماسيتها نحو التعاون بدل المواجهة، وفتح حوار صريح مع جارها. وأخيراً، على إسبانيا وأوروبا دور رئيسي تلعبه: دور الشركاء الملتزمين، ليس فقط في مراقبة التدفقات، بل في الإنتاج المشترك لفضاء متوسطي مزدهر وإنساني. فالمغرب العربي الموحَّد، المتجذّر في عمقه والمنفتح على العالم، يظل السبيل الوحيد القادر على ضمان استقرار دائم وازدهار مشترك. وإن لم يحدث ذلك، فستبقى صرخات سبتة تحذيراً متكرراً، ينذر بعواصف أخرى قادمة.

المراجع:

(1) البنك الدولي، التكامل الإقليمي في المغرب العربي، 2023.

(2) المندوبية السامية للتخطيط (المغرب)، مذكرة الظرفية الاقتصادية، 2024.

(3) وزارة الشؤون الخارجية المغربية، بلاغات دبلوماسية، 2023–2024.

(4) صندوق النقد الدولي، تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي، أبريل/نيسان 2024.

(5) البنك الإفريقي للتنمية، تقرير حول التجارة البينية الإفريقية، 2023.

(6) تقارير المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حول تدفقات الهجرة في غرب البحر الأبيض المتوسط، 2023-2024.

(7) التصريحات الرسمية للحكومتين المغربية والإسبانية إثر حوادث سبتة (2021-2024).