يقولون إن المغرب يعيش تعددية حزبية. وأنا أصدقهم... كما أصدق أن السمكة تتسلق الأشجار.
الحقيقة أننا لا نملك أحزابًا بالمعنى السياسي، بقدر ما نملك زوايا حديثة، لكل زاوية شيخ، ولكل شيخ مريدون، ولكل مريد واجب واحد: السمع والطاعة، أما التفكير فهو من البدع السياسية.
الانتماء لم يعد قائمًا على البرامج، بل على القرابة، والولاء، والمصلحة. فالقبيلة ما زالت حاضرة، لكنها غيرت لباسها فقط. والعشيرة أصبحت تحمل شعارًا انتخابيًا، والزاوية صارت تملك مقرًا حزبيًا، والمريد صار يُسمى مناضلًا.
في موسم الانتخابات، لا تسمع نقاشًا حول الاقتصاد أو التعليم أو الصحة، بل تسمع: "مع من يقف فلان؟" و"أي قبيلة تدعم هذا المرشح؟" وكأن صناديق الاقتراع تحولت إلى موسم للمبايعة، لا إلى مناسبة لاختيار من يدبر الشأن العام.
والأعجب أن الشيخ السياسي قد يهاجر من زاوية إلى أخرى بين ليلة وضحاها، فيتبعه المريدون دون أن يسأل أحد: لماذا؟ فالولاء للأشخاص أقوى من الولاء للأفكار، والكرسي أكثر ثباتًا من المبادئ.
أما المواطن، فقد جلس في آخر الصف، يتابع هذا العرض الطويل، ثم يبتسم ساخرًا ويقول: "بدل أن يغيروا الوطن، غيروا فقط ألوان اللافتات."
وهكذا، نظل نتحدث عن الديمقراطية، بينما ما زلنا ندور في فلك الزوايا والقبائل والعشائر، حيث الزعيم لا يُناقش، والمريد لا يعترض، والبرنامج الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج... وينتهي قبل الانتخابات التالية.
ربما سيأتي يوم تصبح فيه الأحزاب مدارس للأفكار، لا تجمعات للأتباع، ويصبح المناضل مواطنًا حرًا، لا مريدًا ينتظر إشارة الشيخ. إلى ذلك الحين، سيظل المشهد السياسي أقرب إلى موسم للولاءات منه إلى عرس للديمقراطية.






