قبل أن يصل مشروع قانون المالية لسنة 2027 إلى البرلمان، سقط سياسيًا وأخلاقيًا أمام مشاهد آلاف الشباب والأطفال والنساء الذين اختاروا البحر طريقًا للهروب من واقعهم. فما حملته الأمواج نحو سبتة المحتلة لم يكن مجرد محاولات للهجرة، بل كان رسالة اجتماعية وسياسية قاسية تعكس حجم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها فئات واسعة من المغاربة.
في هذا السياق، تأتي رسالة رئيس الحكومة عزيز أخنوش بشأن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 وكأنها تتجاوز جوهر الأزمة. فهي تركز على الحفاظ على التوازنات المالية، وترشيد النفقات، ومواصلة تمويل الأوراش الكبرى، بينما يعيش المواطن تحت ضغط الغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع دائرة الفقر والهشاشة.
إن إصلاح التعليم والصحة لا ينبغي أن يبقى مجرد عناوين في الوثائق الرسمية، بل يجب أن يتحول إلى نتائج ملموسة. فمن غير المقبول أن يستمر المغرب في احتلال مراتب متأخرة في مؤشرات التعليم، في الوقت الذي تُصرف فيه اعتمادات كبيرة دون أن ينعكس ذلك على جودة المدرسة العمومية أو على الخدمات الصحية.
وفي المقابل، تعيش الأسر المغربية أزمة سكن خانقة، بفعل الارتفاع غير المسبوق في أسعار العقار والأراضي، والمضاربة العقارية، وارتفاع كلفة التمويل البنكي، حتى أصبح امتلاك سكن لائق حلمًا بعيد المنال بالنسبة لآلاف الأسر.
إن المغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى مشاريع كبرى أو إلى الاستعداد لمونديال 2030، بل يحتاج قبل كل شيء إلى إنقاذ الإنسان المغربي، وحماية قدرته الشرائية، وخلق فرص الشغل، وإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، والمستشفى العمومي، والسكن اللائق.
لقد عرفت هذه الولاية الحكومية احتجاجات متتالية شملت المحامين، والأساتذة، والأطباء، والصحافيين، والموظفين، والعاملين في القطاعين العام والخاص، والمتضررين من قرارات الهدم، وغيرها من الفئات الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الاحتقان الذي عرفته البلاد خلال السنوات الأخيرة.
لذلك، فإن مشروع قانون المالية لسنة 2027، بصيغته الحالية، لا يستجيب لحجم الأزمة الاجتماعية التي كشفتها أحداث سبتة. وما يحتاجه المغرب اليوم ليس مجرد ميزانية جديدة، بل رؤية جديدة وقرارات هيكلية جريئة تعيد ترتيب الأولويات، وتضع الإنسان في قلب السياسات العمومية.
لقد آن الأوان لقانون مالية يكون طوق نجاة للأسر المغربية، لا مجرد وثيقة لتدبير الأرقام. قانون يعيد الثقة، ويخفف أعباء المعيشة، ويمنح الشباب سببًا للبقاء في وطنهم، لأن بناء المستقبل لا يبدأ من المشاريع الكبرى وحدها، بل يبدأ من كرامة المواطن المغربي.






