مجتمع وحوداث

شباب المغرب بين إكراهات الواقع، سراب الهجرة ورهانات التغيير

جواد مامون (باحث في القانون العام والعلوم السياسية)
يمثل الشباب المغربي الثروة الاستراتيجية الأبرز وقاطرة التنمية الحقيقية التي تقود المملكة نحو المستقبل، غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع معقد يفرض تحديات جمة. فكثير من الشباب اليوم يعانون في صمت لأسباب متعددة، سواء بسبب معضلة البطالة، أو غياب تكافؤ الفرص في بعض المناطق، أو صعوبة الولوج إلى سوق الشغل رغم الحصول على شهادات عليا، مما يخلق نوعا من الإحباط وحالة من الترقب والجمود التي تشكل عائقا أمام تفجير طاقاتهم الكامنة.

ولعل الأشد إيلاما في هذا المشهد، هي تلك الأحداث المأساوية الأخيرة للهجرة الجماعية غير النظامية عبر سواحل الفنيدق نحو ثغر سبتة المحتلة؛ مشاهد قاسية لآلاف الشباب والقاصرين الذين اندفعوا مدفوعين بتضليل شبكات الاتجار بالبشر والفضاء الرقمي، ملقين بأنفسهم نحو عالم مجهول المعالم، ومستقبل غامض لا يحمل بالضرورة أي أمان. إن الارتماء في أحضان البحر ومغامرات الموت لم يكن يوما بحثا عن الرفاهية بقدر ما كان صرخة يأس وبحثا عن كرامة مفقودة وأفق مسدود، وهو ما يعيد السؤال الاجتماعي والسياسي إلى صدارة النقاش العمومي بالمغرب وبإلحاح شديد.

هذا الواقع الصعب وضع فئات واسعة من الشباب في خندق نقد السياسات الحكومية المتبعة، معتبرين أنها لا تستجيب لتطلعاتهم بالشكل الكافي. ومع ذلك، فإن هذا الانتقاد لا يجب أن يظل حبيس الإحباط أو مغامرات الهجرة المحفوفة بالمخاطر، بل يجد أمامه فرصة تاريخية وحاسمة تتمثل في الاستحقاقات الانتخابية التشريعية المقبلة عام 2026. إن التغيير الحقيقي والمسؤول يبدأ من صناديق الاقتراع، باعتبارها الآلية الدستورية الأقوى للشباب للتعبير عن صوتهم بكل وعي، ومحاربة العزوف، واختيار النخب والبرامج التي تمثلهم حقا وتملك حلولا واقعية لمعاناتهم.

ورغم هذه الإكراهات القاسية والمواجع، فإن روح العزيمة والمبادرة لا زالت تنبض في عروق الكثيرين الذين اختاروا الصمود واقتحام مجالات بديلة كريادة الأعمال والابتكار التكنولوجي والعمل الحر. فبفضل الإصرار الشخصي، نجح العديد من الشباب في تحويل المعاناة إلى قوة دافعة، والبحث عن حلول مبتكرة لإنشاء مقاولات ناشئة قادرة على خلق فرص الشغل وإثبات الذات من قلب المعاناة.

إن تجاوز التحديات الحالية ومحو آثار مآسي الهجرة يتطلب تعبئة وطنية شاملة تجمع بين الإرادة السياسية الصادقة لتوفير الكرامة والفرص، والتزام الشباب أنفسهم بالوعي السياسي والتكوين المستمر وتطوير المهارات. وعبر هذا التكامل بين ممارسة الحقوق السياسية والمبادرة الاقتصادية، يمكن تحويل الصعاب إلى جسور للعبور، ليثبت الشباب المغربي أنه ليس عالة على المستقبل، بل هو الحاضر القادر على صياغة غد الوطن وبناء نهضته بكل ثقة واقتدار.