سياسة واقتصاد

طواويس السياسة وتكنوقراط الصفقات: من يملك فعلا مفاتيح الصعود والسقوط؟

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

هناك أخطاء شائعة و متداولة في قراءة السياسة المغربية و من أهمها الاعتقاد بأن من يحتل الواجهة هو بالضرورة من يملك القرار، وأن من يملك المال أو النفوذ الاقتصادي يستطيع، بمجرد دخوله إلى الحزب أو الحكومة، أن يتحول إلى رجل سياسة مكتمل الشروط.

تجربة مولاي حفيظ العلمي تقول شيئا مختلفا .

في لحظة سياسية معينة صُنع حول الرجل نقاش كبير.. جرى تداول اسمه لرئاسة الحكومة، وربط مستقبله بقيادة التجمع الوطني للأحرار، وظهر في النقاش العمومي باعتباره نموذجا لما يمكن تسميته بـ«التكنوقراط السياسي»: رجل أعمال يدخل السياسة حاملا معه رصيدا اقتصاديا يفترض أن يتحول إلى رصيد سياسي.

لكن الرجل لم يصبح زعيما حزبيا، ولم تتحول كل تلك التوقعات إلى واقع سياسي.

ثم حدث ما هو أكثر دلالة،، اختفى الاسم من التداول السياسي تقريبا، ولم تتوقف الحياة السياسية...هذه ليست تفصيلة في سيرة رجل أعمال. هذه هي المسألة.

لأنها تضع أمام السياسيين سؤالا لا يحبون سماعه،، هل أنتم أصحاب قوة سياسية فعلية، أم أصحاب وظيفة سياسية في لحظة معينة؟..لأن الفرق بين الاثنين هائل.

صاحب القوة السياسية يبني مشروعا و يصنع امتدادا تنظيميا ويراكم شرعية انتخابية ، ويستطيع أن يعيش سياسيا خارج المنصب. أما صاحب الوظيفة، فيستمد وزنه من الموقع الذي يشغله ومن التوازن الذي سمح له بشغله. فإذا تغير التوازن، تغيرت قيمة الموقع، وغالبا تغير معه صاحبه، وهنا يمكن فهم ظاهرة "طواويس المرحلة".

 ليس المشكل في غرور بعض الوجوه. الغرور مجرد نتيجة.. المشكل الحقيقي هو حين يخطئ سياسي في تحديد مصدر قوته، يبدأ في التصرف وكأن النفوذ الذي مُنح له أصبح ملكية شخصية، عندها يصبح الحزب مجرد منصة، والحكومة مجال نفوذ، والمؤسسات تتحول إلى امتداد للموقع، والخصوم مجرد أشخاص ينبغي إخضاعهم، والإعلام الذي ينتقده يصبح خصما، وكل من يذكّره بحدود موقعه يصبح، في نظره، مشكلة يجب التخلص منها.

وهذه هي الظرفية التي يبدأ فيها السياسي بالانهيار وهو يعتقد أنه في ذروة القوة.

مولاي حفيظ العلمي يقدم الوجه الآخر تماما لهذه المعادلة: يمكن لرجل يملك وزنا اقتصاديا كبيرا أن ينسحب من السياسة، وتستمر مصالحه وموقعه خارجها.

أما السياسي الذي لا يملك خارج السياسة سوى الكرسي، فكل ما يملكه يصبح مهددا في اللحظة التي يتغير فيها موقعه.

لهذا لا ينبغي أن يثير "تبخر" بعض الأسماء من المشهد الدهشة. الدهشة الفعلية هي أن هناك من لم يفهم بعد أن السياسة المغربية لا تُدار بمنطق "أنا هنا إذن أنا قوي".

المنظومة السياسية تستطيع أن ترفع اسما، تمنحه وظيفة، تضعه في الواجهة، ثم تبحث عن اسم آخر عندما تتغير الحاجة.

 ليس الخطأ أن يخرج السياسي من اللعبة..إنما أن يصدق وهو داخلها، أنه هو اللعبة.⚖️

و في هذه اللحظة بالذات يصبح "طاووس السياسة" مثيرا للشفقة أكثر مما هو مثير للخوف، لأنه ببساطة يستعرض قوة قد لا تكون له، ويدافع عن موقع قد لا يكون ملكه، ويهدد خصوما قد يكونون أقدر منه على البقاء بعد أن تنتهي وظيفته.

من الأسئلة الخطيرة في عالم السياسة و التي لا تُطرح على السياسي وهو في القمة، تطرح عليه دائما بعد سقوطه،، ماذا بقي لك بعد أن فقدت الموقع؟..