تحليل

حين تختلف الأرقام الاقتصادية.. هل نحن أمام تناقض أم أمام اختلاف في مناهج القياس؟

منير جيري (أستاذ الاقتصاد القياسي بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة)

من أرقام البطالة إلى توقعات النمو: لماذا قد تقدم المؤسسات الاقتصادية أرقاماً مختلفة للظاهرة نفسها؟

عندما يقرأ المواطن رقماً عن البطالة أو النمو الاقتصادي صادراً عن مؤسسة وطنية أو دولية، ثم يصادف بعد أيام أو أسابيع رقماً آخر مختلفاً، فإن السؤال الذي يتبادر إلى ذهنه يبدو مشروعاً وبسيطاً: من منهما يملك الرقم الصحيح؟

وقد يتحول هذا السؤال سريعاً إلى تساؤل آخر أكثر حساسية: هل هناك تضارب بين المؤسسات؟ وهل يعكس اختلاف الأرقام خلافاً في تقييم الوضع الاقتصادي؟

الجواب العلمي أكثر تعقيداً، وفي الوقت نفسه أكثر بساطة مما قد نتصور.

فالرقم الاقتصادي ليس دائماً مجرد عملية حسابية مباشرة. وراء كثير من الأرقام الاقتصادية منظومة كاملة تتكون من البيانات، وطريقة جمعها، وتعريف المتغيرات، والفترة الزمنية المرجعية، والفرضيات، ثم الأدوات الإحصائية والاقتصادية المستعملة في التحليل والتوقع.

وهنا ندخل إلى عالم الاقتصاد القياسي.

أولاً: ما الاقتصاد القياسي؟ شرح بسيط لغير المتخصص

يمكن تعريف الاقتصاد القياسي، بأبسط لغة ممكنة، بأنه العلم الذي يحاول تحويل الظواهر الاقتصادية إلى علاقات قابلة للقياس والاختبار والتفسير والتوقع.

فالاقتصادي قد يقول مثلاً إن الاستثمار يساهم في النمو، أو إن التضخم يؤثر في الاستهلاك، أو إن مستوى التعليم يؤثر في فرص الحصول على عمل. لكن الاقتصاد القياسي يسأل أسئلة أكثر دقة: بأي مقدار؟ وخلال أي مدة؟ وهل العلاقة حقيقية إحصائياً أم أنها مجرد تزامن؟ وهل ستبقى النتيجة نفسها إذا تغيرت البيانات أو الفترة الزمنية أو النموذج المستعمل؟

ولهذا يجمع الاقتصاد القياسي بين النظرية الاقتصادية والرياضيات والإحصاء والبيانات الواقعية.

ولتبسيط المسألة أكثر، يمكن أن نتخيل طبيبين يدرسان الظاهرة الصحية نفسها، لكن أحدهما يعتمد عينة من ألف شخص والآخر يعتمد عينة مختلفة، أو يستخدم كل منهما فترة زمنية أو بروتوكولاً تحليلياً مختلفاً. ليس غريباً أن تختلف بعض النتائج، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن أحدهما أخطأ أو أن الآخر تعمد تقديم نتيجة مخالفة. الأمر نفسه يحدث في التحليل الاقتصادي.

ثانياً: قبل الحديث عن «تضارب» أرقام البطالة في المغرب... يجب التمييز بين المصدر والمستعمل

عند الحديث عن البطالة في المغرب، هناك حقيقة منهجية ينبغي توضيحها. المندوبية السامية للتخطيط هي المؤسسة التي تنتج المرجع الإحصائي الأساسي لسوق الشغل من خلال البحث الوطني حول التشغيل، الذي يوفر قياسات النشاط والتشغيل والبطالة وفق المعايير والتوصيات المعتمدة دولياً.

وهذا يعني أن الحديث عن رقم للبطالة لدى المندوبية ورقم آخر «مستقل تماماً» لبنك المغرب، كما لو أن المؤسستين تجريان بالضرورة بحثين وطنيين متوازيين حول الأسر باستعمال عينتين مختلفتين، ليس توصيفاً دقيقاً في جميع الحالات.

فبنك المغرب يستعمل بدوره معطيات وطنية صادرة عن مؤسسات إنتاج الإحصاء، وفي مقدمتها المندوبية السامية للتخطيط، ثم يدمجها مع مجموعة واسعة من المؤشرات النقدية والمالية والاقتصادية في إطار تحليلاته ونماذجه وتوقعاته.

وهذا التمييز أساسي جداً: إنتاج المعطى الإحصائي شيء، واستعمال هذا المعطى داخل نموذج اقتصادي أو نموذج للتوقع شيء آخر.

لذلك، إذا وجدنا رقمين مختلفين، فإن أول سؤال علمي لا ينبغي أن يكون: «من أخطأ؟»، وإنما: هل الرقمان يقيسان فعلاً الشيء نفسه؟ وهل يتعلقان بالفترة الزمنية نفسها؟ وهل أحدهما قيمة ملاحظة والآخر توقع؟ وهل استُعمل التعريف نفسه؟ وهل تم تحديث أحد الرقمين بمعطيات لم تكن متاحة عند إعداد الرقم الآخر؟ هذه الأسئلة تسبق أي حكم على وجود «تناقض».

ثالثاً: العينة مهمة... لكنها ليست التفسير الوحيد

في الدراسات الاقتصادية والإحصائية التي تعتمد على جمع البيانات من مجموعة من الأفراد أو الأسر أو المقاولات، تلعب العينة دوراً أساسياً. فمن المستحيل في كثير من الحالات سؤال كل فرد أو كل أسرة أو كل مقاولة في البلد في كل مرة نريد فيها قياس ظاهرة اقتصادية. لذلك تُختار عينة وفق تصميم إحصائي محدد، ثم تُستخدم النتائج لاستنتاج خصائص المجتمع الأصلي.

ومن الطبيعي أن يؤثر تصميم العينة، وحجمها، وطريقة توزيعها، ودرجة تمثيلها للمناطق والفئات الاجتماعية، في دقة النتائج. لكن يجب ألا نحصر كل اختلاف في الأرقام في اختلاف العينة فقط.

فالنتائج يمكن أن تتغير أيضاً بسبب اختلاف تعريف المتغير، أو الفترة المرجعية، أو مراجعة البيانات الأصلية، أو إدخال معلومات جديدة، أو اختلاف الفرضيات الاقتصادية، أو اختلاف النموذج الإحصائي أو الاقتصادي، أو المتغيرات الداخلة في النموذج، أو أفق التوقع، أو وقوع صدمة اقتصادية لم تكن متوقعة عند بناء التقدير الأول. وهنا بالضبط تظهر أهمية الاقتصاد القياسي.

رابعاً: النموذج الاقتصادي ليس آلة لإنتاج «الحقيقة المطلقة»

هذه نقطة ينبغي أن يعرفها المواطن، كما ينبغي أن تبقى حاضرة لدى الباحث وصانع القرار. النموذج الاقتصادي هو تمثيل مبسط للواقع وليس الواقع نفسه.

فعندما نبني نموذجاً لتوقع النمو الاقتصادي، مثلاً، قد نحتاج إلى افتراضات حول الموسم الفلاحي، وأسعار الطاقة، والتجارة الخارجية، والاستثمار، والاستهلاك، والتضخم، والطلب الخارجي، والسياسة النقدية، وغيرها.

إذا تغيرت إحدى هذه الفرضيات، يمكن أن تتغير النتيجة. وإذا أضاف الباحث متغيراً مهماً كان غائباً عن النموذج الأول، يمكن أن تتغير النتيجة. وإذا أصبحت بيانات جديدة متاحة، يمكن أن تتغير النتيجة.

بل إن النموذج نفسه قد يعطي توقعاً مختلفاً عندما يُعاد تقديره بعد عدة أشهر، لأن المعلومات المتاحة في مارس ليست بالضرورة هي المعلومات نفسها المتاحة في يوليوز أو دجنبر. ولهذا فإن اختلاف التوقعات لا يعني تلقائياً أن هناك خطأ.

التوقع ليس خبراً عن المستقبل، بل نتيجة مشروطة بالمعلومات والفرضيات والنموذج المتاح لحظة إعداده.

خامساً: الناتج الداخلي الخام يقدم المثال الأكثر وضوحاً

يكفي أن يتابع المواطن توقعات النمو الاقتصادي للمغرب خلال السنة الواحدة ليلاحظ أن الرقم قد لا يكون واحداً. فقد تنشر المندوبية السامية للتخطيط توقعاً، ويصدر بنك المغرب توقعاً آخر، ويقدم صندوق النقد الدولي توقعاته، كما تنشر مؤسسات دولية أخرى، ومنها البنك الدولي، تحليلاتها وتوقعاتها.

وهذه المؤسسات لا تعمل بالضرورة بالنموذج نفسه، ولا تقوم بتحديث توقعاتها في التاريخ نفسه، ولا تعتمد دائماً الفرضيات نفسها بشأن الموسم الفلاحي أو الاقتصاد العالمي أو أسعار المواد الأولية أو الاستثمار أو التجارة الدولية.

ومن الأمثلة الموثقة توقعات سنة 2026: فقد أشارت توقعات بنك المغرب المنشورة في يونيو 2025 إلى نمو اقتصادي في حدود 4,4 في المائة سنة 2026، بينما توقع صندوق النقد الدولي في مارس 2026 نمواً بنسبة 4,4 في المائة أيضاً. وفي يوليوز 2026، قدمت المندوبية السامية للتخطيط، في ميزانيتها الاقتصادية الاستشرافية، توقعاً يبلغ 4,8 في المائة لسنة 2026.

هل يعني ذلك أن هناك مؤسسة «صحيحة» وأخرى «خاطئة»؟ ليس بهذه البساطة. فالوثائق لم تصدر في اليوم نفسه، والمعلومات المتاحة عند إعداد كل توقع ليست متطابقة، كما أن الفرضيات والنماذج وأغراض التوقع تختلف. وهذا المثال يبين لماذا يجب دائماً أن نضع تاريخ التوقع بجانب رقم التوقع.

سادساً: الظاهرة ليست مغربية

اختلاف الأرقام والتوقعات بين المؤسسات ليس خصوصية مغربية. فالباحثون الذين يشتغلون على قواعد البيانات الدولية يعرفون جيداً أن المؤشر الاقتصادي نفسه قد يظهر أحياناً بقيم أو سلاسل غير متطابقة تماماً عند الانتقال بين قواعد بيانات مؤسسات مختلفة، ومنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها من المؤسسات.

وقد تكون الأسباب مرتبطة بمصدر البيانات الوطنية، أو بتاريخ تحديث السلسلة، أو بالمراجعات، أو بالتعريف، أو بطريقة المعالجة، أو بتوحيد البيانات بين البلدان.

لذلك، لا يكفي في البحث العلمي أن نكتب اسم المتغير فقط. ينبغي أن نحدد مصدره، وتعريفه، ووحدته، والفترة الزمنية، وتاريخ استخراج البيانات، وأي معالجة أجريت عليها. وهذه ليست تفاصيل شكلية، بل جزء من المنهج العلمي نفسه.

سابعاً: الباحث وطلبة الدكتوراه أمام سؤال صعب: أي مصدر نعتمد؟

هذه المشكلة يعرفها جيداً من اشتغل على مقال علمي تطبيقي أو أطروحة دكتوراه تعتمد البيانات الاقتصادية. فقد يبحث الطالب عن متغير معين فيجد قيمة في قاعدة بيانات وطنية، ثم يجد سلسلة قريبة ولكن غير متطابقة في قاعدة بيانات دولية.

وهنا تبدأ الأسئلة: أي سلسلة نعتمد؟ هل نعتمد المؤسسة الوطنية لأنها المصدر الأولي؟ أم نعتمد قاعدة دولية لأنها توفر سلسلة موحدة تسمح بالمقارنة بين البلدان؟ ماذا نفعل إذا كانت إحدى القواعد تتضمن سنوات لا توجد في الأخرى؟ وماذا نفعل عندما تُراجع البيانات بعد إنجاز جزء من البحث؟

هذه ليست مشكلة بسيطة، لأن تغيير مصدر البيانات يمكن، في بعض الدراسات، أن يؤدي إلى تغيير النتائج الاقتصادية والإحصائية للنموذج.

لذلك ينبغي للباحث ألا يختار المصدر الذي يعطيه النتيجة التي يرغب فيها، بل المصدر الأكثر ملاءمة لسؤال البحث والأكثر اتساقاً ومنهجية وقابلية للتوثيق. وعندما يتعلق البحث بالمقارنة الدولية، قد تصبح قابلية المقارنة بين الدول معياراً حاسماً. أما عندما يكون الهدف دراسة الاقتصاد المغربي بتفاصيله، فقد تكون البيانات الوطنية الأصلية أكثر ملاءمة لبعض المتغيرات. والأهم هو أن يشرح الباحث اختياره بوضوح حتى يستطيع باحث آخر إعادة الدراسة والوصول إلى البيانات نفسها.

ثامناً: الاختلاف العلمي لا ينبغي تحويله إلى خلاف سياسي

عندما تختلف توقعات مؤسستين، من السهل تحويل النقاش إلى تأويل سياسي: من المتفائل؟ ومن المتشائم؟ ومن يريد إظهار الاقتصاد في صورة أفضل أو أسوأ؟

لكن المنهج العلمي يفرض علينا الحذر. لا يجوز استنتاج وجود خلاف سياسي من مجرد اختلاف رقمين. قبل أي تفسير من هذا النوع، يجب مقارنة المنهجية والبيانات وتاريخ التوقع والفرضيات والنموذج.

وفي كثير من الحالات، يمكن تفسير جزء مهم من الفارق تفسيراً تقنياً خالصاً. بل إن مراجعة المؤسسة نفسها لتوقعاتها من فترة إلى أخرى دليل واضح على ذلك: المؤسسة لم تدخل في خلاف سياسي مع نفسها، وإنما تغيرت المعلومات المتاحة، فتغير معها التوقع.

تاسعاً: المشكلة الحقيقية ليست وجود اختلاف... بل صعوبة تفسيره للمواطن

وجود عدة تقديرات أو توقعات ليس في حد ذاته خللاً في النظام الإحصائي. بل قد يكون مفيداً، لأنه يسمح بمقارنة السيناريوهات واختبار مدى حساسية الاقتصاد لمختلف الفرضيات.

لكن المشكلة تظهر عندما تصل إلى المواطن أرقام متعددة دون أن يصاحبها تفسير مبسط لما تعنيه وكيف تم الوصول إليها.

المواطن يسمع: البطالة بلغت كذا، والنمو سيكون كذا، والتضخم سيبلغ كذا. لكنه نادراً ما يسمع السؤال الأهم: كيف حُسب هذا الرقم؟ وهل هو رقم ملاحظ أم تقدير أم توقع؟ وما الفترة التي يغطيها؟ وما درجة عدم اليقين المحيطة به؟

هذه الثقافة الإحصائية والاقتصادية أصبحت ضرورية في مجتمع تتخذ فيه القرارات العمومية والمالية والاستثمارية بناءً على البيانات.

عاشراً: نحو تواصل مؤسساتي ومنهجي أكبر بين المؤسسات الوطنية

هنا أود، بصفتي متخصصاً في الاقتصاد القياسي، التأكيد على نقطة أعتبرها أساسية: لا يكفي أن تنتج كل مؤسسة أرقامها أو توقعاتها بصورة منفصلة، بل ينبغي أن تكون هناك قنوات دائمة ومنظمة للتواصل العلمي والتقني بين المؤسسات الوطنية المعنية بالبيانات والتحليل والتوقع الاقتصادي.

ويشمل هذا التواصل تبادل المعلومات حول مصادر البيانات، وتعريف المتغيرات، وتواريخ التحديث، ومعالجة القيم المفقودة أو المراجعات، والفرضيات الأساسية، والأدوات القياسية المستعملة. فكلما ارتفعت درجة التنسيق المنهجي، أصبحت مقارنة النتائج أكثر وضوحاً، وأمكن تفسير الفوارق بصورة علمية بدل أن تتحول إلى مصدر ارتباك لدى المواطن والباحث وصانع القرار.

ومن وجهة نظر قياسية، من المفيد كذلك أن تتقارب المؤسسات، كلما كان ذلك ممكناً ومناسباً لطبيعة مهامها، في استعمال مناهج تقدير وتنبؤ حديثة ومشتركة أو على الأقل قابلة للمقارنة. فحتى عندما تختلف العينات أو قواعد البيانات، فإن استعمال المنهج التقديري نفسه، والتعريفات نفسها للمتغيرات، وبروتوكولات متقاربة لاختبار النماذج وتقييم قدرتها التنبؤية، يسمح بعزل أثر اختلاف البيانات عن أثر اختلاف المنهج.

وهذا لا يعني فرض نموذج واحد على جميع المؤسسات أو إلغاء استقلاليتها العلمية. فالاختلاف بين النماذج قد يكون مفيداً، بل ضرورياً لاختبار متانة النتائج. لكن من الضروري وجود نموذج أو إطار مرجعي مشترك يمكن الانطلاق منه للمقارنة، ثم يمكن لكل مؤسسة بعد ذلك تطوير نماذج إضافية تتلاءم مع اختصاصاتها.

فإذا استعملت مؤسستان عينتين مختلفتين ولكن طبقتا المنهج نفسه وفق الفرضيات نفسها، فإن الفارق بين النتيجتين يصبح أكثر قابلية للتفسير، ويمكن للخبير أن يبحث في أثر العينة أو تركيبتها. أما إذا اختلفت العينة والمنهج والنموذج والفرضيات وتاريخ التحديث في الوقت نفسه، يصبح من الصعب تحديد المصدر الحقيقي للفارق.

ومن هنا فإن المطلوب ليس توحيد الأرقام بصورة إدارية، وإنما بناء لغة قياسية مشتركة: قواعد واضحة، ومناهج حديثة، واختبارات معلنة، وتقييم دوري لدقة التوقعات، وتبادل للخبرة والبيانات بين المؤسسات.

 

 

 

حادي عشر: من «ما الرقم الصحيح؟» إلى «كيف بُني الرقم؟»

ربما يكون أهم تغيير نحتاج إليه في طريقة تعاملنا مع الأرقام الاقتصادية هو تغيير السؤال نفسه. بدلاً من أن نسأل فوراً: من يملك الرقم الصحيح؟ ينبغي أن نسأل: ما مصدر البيانات؟ ما تعريف المؤشر؟ ما الفترة المرجعية؟ هل الرقم ملاحظ أم متوقع؟ ما النموذج المستعمل؟ ما الفرضيات التي بُني عليها؟ ومتى تم إعداد التوقع؟

وعند مقارنة مؤسستين، ينبغي أن نضيف سؤالاً آخر: هل استعملتا منهجية تقدير وتنبؤ متقاربةm تسمح فعلاً بمقارنة النتائج؟

عند الإجابة عن هذه الأسئلة، تختفي كثير من «التناقضات» الظاهرية، ويتحول النقاش من الجدل حول الرقم إلى فهم علمي لكيفية بنائه.

الخلاصة: اختلاف الرقم لا يعني اختلاف الحقيقة

الأرقام الاقتصادية ليست شعارات سياسية، ولا ينبغي التعامل معها بهذه الطريقة. إنها نتيجة سلسلة طويلة تبدأ من جمع البيانات، وتمر عبر التعريف والتصنيف والمعالجة والتحليل، وقد تنتهي بنموذج اقتصادي أو قياسي للتوقع.

ولهذا فإن وجود أرقام أو توقعات مختلفة بين المندوبية السامية للتخطيط وبنك المغرب وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لا ينبغي أن يدفعنا تلقائياً إلى البحث عن «خلاف» بين المؤسسات. السؤال العلمي الحقيقي هو: لماذا اختلفت النتائج؟

وقد يكون الجواب في تاريخ التحديث، أو مصدر البيانات، أو الفرضيات، أو النموذج، أو أفق التوقع، أو طريقة المعالجة.

ومن موقع البحث العلمي، فإن الإشكال يتجاوز النقاش الإعلامي. فالباحث وطلبة الدكتوراه يواجهون بالفعل سؤال اختيار قاعدة البيانات والمنهج المناسب، وقد يكون لهذا الاختيار أثر مباشر في النتائج التي يحصلون عليها.

ولهذا يحتاج المغرب إلى مزيد من التنسيق الإحصائي، وتبادل البيانات، والشفافية المنهجية، والتواصل العلمي المنتظم بين المؤسسات. ومن المهم، قدر الإمكان، اعتماد مناهج تقدير وتنبؤ مرجعية متقاربة وحديثة تسمح بمقارنة النتائج حتى عندما تختلف العينات، مع الإبقاء على نماذج بديلة لاختبار متانة التوقعات.

فالمطلوب ليس أن نُجبر جميع المؤسسات على إعلان الرقم نفسه، وإنما أن نجعل أسباب الاختلاف قابلة للفهم والقياس والتحقق. وعندما تستعمل المؤسسات لغة منهجية مشتركة، يصبح بإمكاننا أن نعرف هل جاء الفارق من البيانات، أم من العينة، أم من الفرضيات، أم من النموذج نفسه.

وهنا تكمن إحدى أهم وظائف الاقتصاد القياسي: ليس أن يجعل المستقبل يقيناً، بل أن يجعل عدم اليقين قابلاً للقياس والفهم.

المصادر المؤسسية

1. المندوبية السامية للتخطيط — البحث الوطني حول التشغيل ومعطيات سوق الشغل.

2. المندوبية السامية للتخطيط — وضعية سوق الشغل بالمغرب والنتائج السنوية.

3. المندوبية السامية للتخطيط — الميزانيات الاقتصادية الاستشرافية والتوقعية.

4. بنك المغرب — تقارير السياسة النقدية والتوقعات الماكرو-اقتصادية.

5. صندوق النقد الدولي — مشاورات المادة الرابعة والتوقعات الخاصة بالاقتصاد المغربي.

6. البنك الدولي — التقارير والتحديثات الاقتصادية الخاصة بالمغرب.

7. منظمة العمل الدولية — المعايير والتوصيات الدولية المتعلقة بقياس التشغيل والبطالة.