لم تعد الانتخابات في المغرب مجرد آلية دستورية لتداول السلطة التنفيذية وتجديد النخب السياسية، بل إن قراءتها من منظور علم الاجتماع السياسي وعلم النفس الاجتماعي تؤكد أنها أعمق بكثير من مجرد إجراء إداري تقني، إذ تشكل مرآة تعكس تحولات صامتة في وعي المواطن المغربي تطفو الى السطح عقب كل استحقاق إنخابي.
فالتوجه إلى صندوق الاقتراع، أو مقاطعته عن قناعة، ليس سلوكاً روتينياً عابراً، بقدر ما هو تعبير صامت عن تراكم مركب من التجارب السابقة، والانتظارات، والخيبات المتتالية مع الفعل السياسي و وقعه الإجتماعي و الإقتصادي.
واليوم، ومع اقتراب اقتراع 23 شتنبر 2026 المعلن بموجب المرسوم الحكومي رقم 2.26.190 وسط عبء مالي واستعدادات تنظيمية واسعة، يطرح السؤال السوسيولوجي نفسه مجدداً: من هو الناخب المغربي اليوم؟ هل ما زال كتلة جامدة تُحرّكها الشعارات الحزبية التقليدية والولاءات القبلية وسماسرة الانتخابات؟ أم أضحى فاعلاً واعياً أكثر نقداً وانتقائية؟ أم أنه بات هجيناً يجمع بين هذا وذاك؟
يحاول هذا المقال أن يفكك، بشيء من الهدوء والتروي، البنية النفسية والاجتماعية التي يبني عليها الناخب المغربي قراره الانتخابي، في أفق استحقاق 23 شتنبر 2026 المقرر لتجديد 395 مقعداً بمجلس النواب (في مقابل 31.993 مقعداً على مستوى المجالس الجماعية عبر مختلف جماعات المملكة، و1.365 مقعداً بمجالس العمالات والأقاليم، وفق نتائج الاستحقاق الجماعي لسنة 2021). وينطلق التحليل من فرضية بسيطة: أن سلوك التصويت في المغرب يعيش اليوم مرحلة انتقالية بين نمطين متجاورين أكثر مما هما متعارضان كلياً: نمط "الولاء" التقليدي القائم على الروابط الزبائنية، القبلية والانتماء الحزبي وسماسرة الانتخابات، ونمط "التقييم البراغماتي" الذي يقيس فعل الأحزاب بمردوديته الفعلية على الحياة اليومية للمواطن. وثمة ثلاث جبهات تتنازع اليوم وعي هذا الناخب: شبكة العلاقات المحلية والزبائنية من جهة، والأثر الملموس للسياسات العمومية من جهة ثانية، والوعي الرقمي الصاعد لدى فئة الشباب من جهة ثالثة، في وقت يبقى فيه العزوف الانتخابي أحد أبرز التحديات البنيوية لشرعية العملية الديمقراطية بالمغرب.
أولاً: من هو الناخب المغربي اليوم؟ الملامح النفسية والسلوكية المتأرجحة
لا تُبنى سيكولوجية الناخب المغربي من فراغ؛ إنها نسيج من تمثلات ذهنية وانفعالية تتأرجح بين الثقة والتشكيك، تتقاطع فيه عوامل موضوعية صرفة ، كالوضع الاقتصادي وجودة الخدمات العمومية، مع عوامل أكثر ذاتية وحميمية: الإحباط، بقايا الأمل، والشعور بالانتماء أو، على العكس، بالإقصاء.
1.1. تراجع الولاء لأيديولوجية معينة: أو حين تفقد الأيديولوجيا سطوتها التعبوية
فقدت الأيديولوجيات الكبرى (التيار الإسلامي، واليساري، والليبرالي) جزءاً كبيراً من قدرتها على التعبئة السياسية الحادة التي ميّزت عقوداً سابقة من الزمن. لم يعد الحسم الأيديولوجي وحده كافياً لحشد الناخب؛ فهذا الأخير بات ينظر إلى العمل السياسي بمنظار أكثر عملية: هل تنجح هذه البرامج في معالجة إشكالاته اليومية الملموسة؟ الصحة، التعليم، فرص الشغل، القدرة الشرائية... خاصة بعد خيبة الأمل من خلال تجربتي حكومة التناوب وتيار الإسلام السياسي. إلا أن هذا لا يعني أن الأيديولوجيا ماتت أو فقدت مكانتها كلياً، بل إنها أُعيد توظيفها كإطار مرجعي ثانوي، يُستحضر فقط عند تعادل الخيارات أو خلال الحركات الاحتجاجية بين استحقاقين، دون أن تشكل بمفردها قوة فعل أو محدداً حاسماً لنتائج صناديق الاقتراع في ظل هيمنة منطق الفعالية الإدارية وتقييم المردودية التنموية.
1.2. حين يصبح الصمت موقفاً: سيكولوجية العزوف والمقاطعة
من أبرز ملامح الناخب المغربي الراهن أنه، ببساطة، كثيراً ما يختار ألا يصوت سواء من خلال الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات أو بناءً على قناعات شخصية وتراكمات إحباطية. والعزوف هنا ليس غياباً محايداً، بل هو في الغالب موقف سياسي سلبي، أو إحباط متراكم، ناتج عما يراه المواطن "ضعف أثر التناوب الحزبي على واقع حياته اليومية" أو "فقدان الثقة في الأحزاب والمؤسسات النيابية". ووفق معطيات كشف عنها فاعلون سياسيون وباحثون، فإن نحو 12 مليون مغربي في سن التصويت يوجدون أصلاً خارج اللوائح الانتخابية، وغالبيتهم من فئة الشباب، وهو مؤشر دال على اتساع دائرة العزوف وتراجع الثقة في الفعل الحزبي والمؤسسات المنتخبة. هذا الشعور بلاجدوى يجعل من تعبئة الناخبين التحدي الأكثر تعقيداً بالنسبة للأحزاب السياسية في أفق إستحقاقات 2026.
بالرجوع إلى نسب المشاركة والعزوف في اقتراعي 2016 و2021 - تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية عن تفاوت ملحوظ في منسوب المشاركة بين آخر استحقاقين تشريعيين: ففي انتخابات 7 أكتوبر 2016 لم تتجاوز نسبة المشاركة الوطنية سقف 42.29%، أي أن نسبة العزوف والامتناع عن التصويت بلغت نحو 57.71% من مجموع الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية. أما في اقتراع 8 شتنبر 2021، الذي جمع لأول مرة بين الاستحقاقات التشريعية والجهوية والجماعية في يوم واحد، فقد ارتفعت نسبة المشاركة إلى 50.18%، بمشاركة 8.789.676 ناخباً وناخبة، لتنخفض بذلك نسبة العزوف إلى ما يقارب 49.82%. ورغم هذا التحسن النسبي بفارق يناهز 7.89% بين الاستحقاقين، تظل نسبة الامتناع عن التصويت قريبة من نصف هيئة الناخبين، وهو ما يتفاقم إذا أخذنا بعين الاعتبار من لا يزالون خارج اللوائح الانتخابية أصلاً بالإضافة الى كون بعض المحللين قد عزوا ارتفاع نسبة المساركة الى دمج الإنتخابات التشريعية مع المحلية.
1.3. هندسة المشروعية الحسابية: أثر القاسم الانتخابي ووزن الصوت الصحيح
هذه المعطيات الرقمية تدفع بنا إلى طرح السؤال: كم صوتاً يقف فعلياً وراء كل منتخب؟ إذا انتقلنا من عدد المصوتين إلى عدد الأصوات الصحيحة المعبر عنها فعلياً، أي بعد استبعاد الأوراق الملغاة والبيضاء، يتضح أن العدد الفعلي للأصوات التي تُبنى عليها شرعية المنتخبين أقل من عدد المصوتين نفسه، وأقل بكثير من عدد المسجلين في اللوائح الإنتخابية : فمن أصل نحو 15.7 مليون مسجل سنة 2016 لم يُدلِ فعلياً بصوته الصحيح سوى ما يقارب 6.6 مليون ناخب، ومن أصل نحو 18 مليون مسجل سنة 2021 لم يتجاوز عدد المصوتين 8.79 مليون. والأدهى أن طريقة احتساب "القاسم الانتخابي"، المعيار الذي يحدد عدد المقاعد التي يفوز بها كل حزب، تغيّرت جوهرياً ابتداءً من استحقاق 2021: فبعدما ظل هذا القاسم يُحتسب استناداً إلى "الأصوات المعبر عنها" فقط (مع وجود نظام العتبة المتمثل في 6% سنة 2011 و3% سنة 2016)، أصبح يُحتسب استناداً إلى مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية، صوّتوا أم لم يفعلوا، مع إلغاء العتبة تماماً.
وينص التعديل الجديد للقانون التنظيمي لمجلس النواب على ما يلي: “توزع المقاعد على اللوائح بواسطة قاسم انتخابي يستخرج عن طريق قسمة عدد الناخبين المقيدين في الدائرة الانتخابية المعنية على عدد المقاعد المخصصة لها”. ومحاكاة لإعادة توزيع نتائج 2021 وفق الصيغة القديمة تكشف أن الأحزاب الثلاثة الأولى - التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال - كانت ستحصل مجتمعة على 37 مقعداً إضافياً لو اعتُمدت "الأصوات المعبر عنها" بدل "عدد المسجلين". بعبارة أخرى: كل مقعد برلماني اليوم يستند، من الناحية الحسابية البحتة، إلى قاعدة تصويتية أضيق نسبياً مما توحي به أرقام المشاركة الإجمالية، وهو ما يغذي، لدى شريحة واسعة من الناخبين، الشعور بأن "صوتي لا يغيّر شيئاً"، وهو بالضبط جوهر أزمة الثقة التي نناقشها في النقطة الموالية.
1.4. اختراق الثقة الحزبية: تغليب الفردي والشخصي على البرامجي
يُظهر الشارع المغربي حذراً بنيوياً تجاه الوعود و البرامج الانتخابية التي أصبحت متشابهة في غالبيتها بين اليمين و اليسار، حذراً لم يعد يخفيه كثيرون. ويرتبط قرار التصويت، في ذهن قطاع واسع من المواطنين، بمدى مصداقية الأشخاص " النخب الحزبية المحلية" وقربهم الفعلي من الساكنة، أكثر من ارتباطه بالانتماء التنظيمي للمرشح نفسه. هذا "العامل الشخصي"، كما تؤكده دراسات ميدانية في علم الاجتماع السياسي المغربي، ما زال ينافس قوة البرنامج الحزبي في العديد من الدوائر الانتخابية المحلية، وبخاصة في الوسط القروي وشبه الحضري، حيث يُقاس المرشح بمعيار "هل هو قريب مني؟" أكثر مما يُقاس ببرنامجه.
1.5. أزمة الثقة في الهيئات المنتخبة: حين يتحول التمثيل إلى شبهة منفعة
لكن أزمة الثقة لا تتوقف عند عتبة الأحزاب؛ إنما تمتد لتطال المؤسسة المنتخبة نفسها، بمجرد أن تتحول الوعود الانتخابية إلى تدبير فعلي للشأن العام أو المحلي. يعتبر عدد كبير من المغاربة أن الهيئات المنتخبة، جماعية كانت أم برلمانية، لا تسعى، بمجرد فوزها، إلا وراء المنفعة الخاصة، وأنها توظف مختلف المؤسسات والمواقع التي وصلت إليها بأصوات الناخبين لخدمة أعمالها ومصالحها الشخصية أو الفئوية. هذا الإحساس ليس مجرد انطباع عابر، بل قناعة متجذرة تتغذى من عدة مصادر متقاطعة:
· المسافة بين الخطاب والممارسة: المرشح الذي يطرق الأبواب ويعد بحل مشاكل الحي أو الدوار سرعان ما "يختفي" بعد إعلان النتائج، ليعاود الظهور فقط عشية الاستحقاق الموالي وهي ظاهرة يصفها المواطنون بـ"الوعد الموسمي".
· تضارب المصالح: أصبح سمة ملازمة للمشهد المحلي في نظر الرأي العام، حيث يجمع المنتخب بين موقع القرار ومصالح اقتصادية وثيقة بالصفقات العمومية.
· ضعف المساءلة والمحاسبة بين الاستحقاقات: يفتقد الناخب لأدوات المراقبة المباشرة أو سحب الثقة خلال الولاية الممتدة لخمس سنوات.
· الفجوة التمثيلية: الفارق الحاد بين المسجلين والمصوتين الفعليين يضعف إحساس الناخب بكون المنتخب يعبر حقاً عن إرادة الأغلبية.
1.6. التمايز المفهومي: بين العزوف التلقائي والمقاطعة الواعية
تستدعي التحليلات السوسيولوجية الدقيقة التمييز بين ظاهرتين تتقاطعان في النتيجة وتختلفان في المنطلق السلوكي والأيديولوجي:
إذا كانت هذه العلاقات تبرر عزوف الناخب عن المشاركة في العملية الانتخابية، فإن هناك معطى آخر قد يختلف في تبريراته ولكنه يتقاطع في نتائجه، وهو دعوة بعض التيارات الحزبية والمدنية إلى مقاطعة الانتخابات. تُعد هذه الأخيرة ظاهرة سياسية واجتماعية مرتبطة بالعزوف الشعبي أو المواقف الاحتجاجية لهذه التنظيمات غير المشاركة، وتصطدم أحياناً بنقاشات قانونية حول حرية التعبير مقارنة بالنصوص الزجرية لمدونة الانتخابات التي تمنع الضغط على الناخبين للإمساك عن التصويت. والفرق بين عزوف الناخب والمقاطع يتمثل في كون الأول فقد الثقة "بعد أن منحها" في الأحزاب وممثليهم والمؤسسات المنتخبة، في حين أن الأشخاص الذين يقاطعون المسار الانتخابي بما فيه التسجيل في اللوائح الانتخابية ينطلقون من فرضية انعدام الديمقراطية وحرية التعبير وكون المؤسسات الحالية لا تخدم أجندة الشعب المغربي بقدر ما تخدم الفئة المتحكمة في دواليب السلطة. وبالتالي يجب التفريق بين سلوك المواطن الذي يقاطع الانتخابات بناءً على قناعات معبر عنها (وهو ما يُعتبر موقفا سياسيا إيجابيا في رفضه)، وسلوك المواطن العازف عن المشاركة باعتباره سلوكاً فردياً وانكفاءً ذاتياً يمكن تغييره لسبب ظرفي (ك الترشيح العائلي أو القبلي مثلاً).
ثانياً: الأبعاد المحددّة للسلوك الانتخابي للناخب المغربي: قراءة سوسيولوجية مركّبة
يصعب بناء نموذج نظري لفهم السلوك الانتخابي للمجتمع المغربي دون الرجوع إلى دراسة التطور التاريخي للمسار برمته وكيف لعب المدبر للإشراف الإداري للانتخابات (وزارة الداخلية) دوراً مفصلياً في تشكيل بنية الاختيار الانتخابي للمجتمع المغربي، بالإضافة إلى كون المجتمع المغربي تاريخياً يتميز بدينامية داخلية تولد تناقضات بين مختلف المستويات التي يتشكل منها الواقع الاجتماعي وتمنحه طابع التركيب وغياب التوافق والانسجام التام بين مكوناته. وتختلف هذه الدينامية بين المجال الحضري، وشبه الحضري، والقروي.
ومن ثمّ، تتداخل في صناعة القرار الانتخابي للناخب المغربي شبكة معقدة من المحدِّدات التقليدية والحديثة؛ فالصوت الانتخابي ليس مجرد موقف سياسي عقلاني محض يتأسس على المفاضلة البرامجية المنبثقة عن أيديولوجية معينة، بل هو محصلة لتفاعل بنيات اجتماعية، وثقافية، واقتصادية تتفاوت درجتها بحسب السياق الترابي والمستويات المعيشية والثقافية. ويمكن دمج وتطوير هذه المحددات في أربعة محاور وأبواب رئيسية تضم تمانية أبعاد أساسية:
2.1. البعد الأول: البعد القبلي والإثني والعائلي (روابط القرابة والعصبية الترابية)
يُشكل البعد القبلي والروابط العائلية (روابط القرابة والعصبية الترابية) أحد أهم المحدّدات الهيكلية الراسخة في تفسير السلوك الانتخابي وتشكيل الخارطة السياسية، لاسيما في المجال القروي والبيئات شبه الحضرية. ورغم مسار التحديث المؤسساتي والتحولات الديموغرافية، لا تزال العلاقات الدموية والتضامنات العصبية تُمارس أدواراً محورية في توجيه الكتلة الناخبة وضبط ديناميات التنافس الانتخابي المحلي وفق مجموعة من الأبعاد التي تحدد السلوك الانتخابي والشرعية المحلية:
· الصوت الانتخابي كمورد جماعي وفضاء رمزي: لا يتعامل مع الصوت الانتخابي في العديد من الدوائر بصفته خياراً فردياً مكفولاً بحرية الرأي، بل يُنظر إليه كمورد جماعي مشاع ملك للعائلة الممتدة أو القبيلة. ويُستغل هذا المورد لحماية المصالح الترابية، والولوج للخدمات، وصيانة المكانة الرمزية للعائلة / القبيلة في مواجهة العائلات أو القبائل المنافسة داخل المجال الترابي.
· تراجع البُعد البرامجي لصالح "ابن العشيرة": يتراجع التقييم العقلاني للبرامج الحزبية والمشاريع التنموية لصالح منطق "ابن الجماعة" أو "مرشح العائلة". وتصبح درجة القرابة والالتزام بالعصبية الترابية والدموية هي المحك الأساسي لبناء الشرعية الانتخابية، حيث يُعد التصويت لمرشح من خارج المكون العائلي / القبلي نوعاً من الخروج عن التضامن الجماعي.
· إعادة إنتاج نفوذ الأعيان: تُوفر هذه الدينامية خلفية خصبة لتجدد نفوذ الأعيان والوجهاء المحليين؛ إذ يستند هؤلاء إلى الرصيد الرمزي والشبكات العائلية القائمة لضمان استمرارية موقعهم في السلطة المحلية، مما يُفرغ المنافسة الانتخابية الحزبية من مضمونها السياسي ويجعل الأحزاب مجرد تزكيات شكلية لشرعيات قبلية وعائلية سابقة للوجود الحزبي.
· الهندسة الترابية والترابطات المحلية: يُسهم نمط الاقتراع والتقطيع الانتخابي في الدوائر الضيقة في تغذية هذا البعد، حيث يُصبح حجم العصبية العائلية والقدرة على حشد القرابات العابرة للقرى والجماعات العامل الحاسم في تحديد الفائز، متجاوزاً بذلك الانتماءات الإيديولوجية أو السياسية.
يُبرز هذا التشخيص أن الديمقراطية التمثيلية على المستوى المحلي تُعيد تكيفها مع البنيات التقليدية، حيث تُطوع القرابة والعصبية الترابية الأدوات الحديثة للاقتراع لإعادة إنتاج التوازنات العائلية والقبيلة ذاتها داخل المؤسسات المنتخبة.
2.2. البعد الثاني: أبعاد الاقتصاد السياسي وشبكات المنفعة الشخصية (اقتصاد المبادلة والخدمات المباشرة)
يتأسس السلوك الانتخابي في جانب واسع منه على منطق "المبادلة النفعية" المباشرة بين الناخب والمرشح، فيما يُعرف بسوسيولوجيا "خدمة الوجاهة" والنفوذ الشبكي، حيث يتحول التصويت إلى أداة لمقايضة الخدمة بالصوت؛ حيث يقدم الأعيان والمرشحون منافع ظرفية (مساعدات مالية، توفير فرص عمل مؤقتة، التكفل بمصاريف اجتماعية) أو تدخلاً لتقديم وساطة إدارية وتسهيل المآرب شبه القانونية، يزدهر هذا البعد بشكل خاص في المجالات الأكثر هشاشة وكثافة سكانية ضعيفة، حيث يُنظر إلى الوعد الانتخابي ذي الأثر المادي المباشر بكونه أكثر موثوقية من الوعود التنموية المؤجلة التي تتضمنها البرامج الحزبية الرسمية.
2.3. البعد الثالث: بعد العمل المدني والجمعوي (المشاتل الانتخابية الموازية)
شكل المجتمع المدني المغربي منذ الاستقلال دعامة أساسية للتنمية والديمقراطية عبر تنوع أدواره وتطور إطاره القانوني المحفز على المشاركة والمواطنة. وقد تحول العمل الجمعوي إلى مكون مركزي وفاعل محوري في التأطير وتنشيط الحياة العامة؛ نتيجة تراكم تاريخي وثقافي، وتنامي الوعي بأهمية المبادرة المدنية لمواجهة التحديات التنموية والحقوقية. وفي هذا السياق، انخرطت جمعيات متعددة (ثقافية، وحقوقية، ونسائية، وشبابية، وبيئية) في ترسيخ قيم الحداثة، وفتح فضاءات للنقاش العمومي والمرافعة الميدانية.
ولقد أدى هذا الزخم المدني إلى تعزيز الثقافة الديمقراطية ودعم مشاريع الإصلاح، وترسيخ قيم المشاركة والمساءلة. كما شكل المجتمع المدني رافداً مهماً للأحزاب التقدمية بالأساس، ومشتلاً للتنشئة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وذلك إلى غاية تسعينيات القرن الماضي؛ حيث غمرت الساحةَ الجمعياتُ "التنموية و الإجتماعية" التي ركزت على مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والتي غالباً ما تأسست بجهود فعاليات حزبية لخدمة أجندتها الخاصة. وبذلك، انحرفت العديد من هذه الجمعيات عن ممارسة أدوارها في التنمية والتأطير، لتؤدي وظيفة "شبكات زبائنية موازية ومشاتل للمنتخبين" و أصبح منخرطوها عبارة عن أرقام إنتخابية، من خلال الآليات التالية:
· المساعدات الاجتماعية لاستمالة الناخبين: تُستغل المساعدات العينية والأنشطة الخدماتية (الحملات الطبية، الدعم المدرسي، الأعمال الخيرية ....) كغطاء ناعم وبناء تدريجي لولاءات انتخابية صلبة على مدار السنة، وليس فقط أثناء الحملات الإنتخابية.
· التوجيه الجماعي: يتولى الفاعلون الجمعويون الموالون لمرشحين محددين دور "الموجهين الصامتين"؛ إذ يتم توجيه القواعد المترددة ومنخرطي الجمعيات للتصويت الفردي أو الجماعي لصالح طرف بعينه، مقابل ضمان استمرار الدعم والمكتسبات الجمعوية.
2.4. البعد الرابع: البعد المجالي والترابي (جدلية المركز والهامش والوسطين الحضري والقروي)
تشكل الجغرافيا الانتخابية محدداً حاسماً في تباين السلوك الانتخابي لطالما اعتمدت عليها الدولة من أجل دعم تيار أو كسر نفوذ تيار معين من خلال التقسيم الإداري الإنتخابي، مستغلة لتباين آليات التنشئة الإجتماعية و السياسية و مرتكزات الولاء بين القرى والمدن.
● العالم القروي (سلوك العلاقات المباشرة): تسوده العلاقات المباشرة، وتسيطر عليه أبعاد القرابة، القبيلة والزبونية، وتكون نسب المشاركة فيه أعلى عموماً نظراً لشدة التعبئة الميدانية والتحكم في الأصوات.
● الوسط الحضري (سلوك المسافة الإجتماعية والعزوف): تنخفض فيه حدة التضامنات التقليدية وتتزايد فيه نسبة الوعي الحقوقي و النقد السياسي، مما يجعل الناخب أكثر حذراً وتأثراً بالسياسات العمومية والخدمة العمومية والمساءلة. ينعكس ذلك غالباً إما في تصويت عقابي للمجالس المسيرة أو في ظاهرة العزوف الانتخابي كشكل من أشكال الاحتجاج السلبي على العرض السياسي.
2.5. البعد الخامس: البعد الديني والقيمي والرمزي (استثمار المرجعيات الدينية والأخلاق)
مع كل استحقاق انتخابي، يعود السجال القديم-الجديد حول حدود استخدام "الرصيد الرمزي الديني" و"الخطاب الأخلاقي" في الصراع على الأصوات. لم تكن المرجعية الدينية والوعظية يوماً مجرد قناعات فردية يتسلح بها الفاعل السياسي، بل ظلت، لسنوات طويلة قبال و بعد الإستقلال، أثمن أصول "الرأس المال السياسي" التي يلجأ إليها المترشحون لإضفاء مشروعية أخلاقية على ذواتهم وتكتلاتهم الحزبية. فالظهور بمظهر "المرشح المؤمن النزيه" والالتفاف بعباءة الأخلاق كانا يمثلان أقصر الطرق لإستمالة الناخب وو خاصة الفئات المحافظة، التي ترى في الأمانة الشخصية و الإنتماء الديني الضمانة الأولى للإلتزام الأخلاقي بالوعود الإنتخابية.
غير أن المشهد السياسي اليوم يشهد تحولاً بنيوياً في سلوك الناخب؛ فقد أخذت النجاعة الانتخابية لهذا الخطاب الوعظي تتراجع بشكل لافت لصالح واقعية سياسية جديدة. لم يعد الشارع ينساق بسهولة وراء الشحنات العاطفية أو الخطابات الأيديولوجية المجردة، بل أصبح ينظر بشك ممنهج إلى الوعود التي لا تسندها أرقام أو برامج قابلة للتطبيق سيما بعد تجربة حكومتي 2011 و 2016.
إننا أمام تحول في "سوق الصوت الانتخابي"؛ من سوق تقوم على استهلاك الرموز وبناء الولاءات بناءً على "الصورة الأخلاقية المتخيلة"، إلى سوق تخضع لمنطق "التجارة الإنتخابية" المبنية على القدرة التدبيرية لوسائل التواصل الحديثة للتأـيرعلى الناخب. وهو تحول يضع التكتلات السياسية أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع إعادة بناء خطابها ليجيب عن أسئلة الشارع المعيشية، أم ستظل تراهن على رصيد رمزي يتآكل كل يوم؟
2.6. البعد السادس: البعد الرقمي والتسويق السياسي الرقمي (الاستهداف الموجه والمال الانتخابي الرقمي)
دخلت العملية الانتخابية عصر "الرقمنة السياسية"، وهو ما غيّر بشكل جذري آليات التأثير وإدارة الحملات و تجلى ذلك بوضوح في الإستتمارات الخيالية في الحملات الإنتخابية الرقمية يُعدّ حزب التجمع الوطني للأحرار أول حزب سياسي يستثمر في حملة انتخابية افتراضية فقد أنفق ما لا يقل عن 196,143 دولاراً أمريكياً على موقع فيسبوك وحده خلال الفترة من 11 مارس إلى 26 غشت 2021. وفي الفترة من 20 إلى 26 غشت فقط، أنفق 29,844 دولاراً أمريكياً على فيسبوك، هذا بالإضافة الى مجموع الوسائط التواصلية المختلفة، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد الفاعل الأول في تشكيل اتجاهات الرأي العام الانتخابي، خاصة لدى فئة الشباب والكتلة الناخبة غير المنتمية حزبيًا مما يستوجب دراسة معمقة لهذه الظاهرة.
الى جانب الإستتمار الإنتخابي في وسائط التواصل الإفتراضي تزايد الاعتماد على شركات متخصصة في تحليل البيانات والتحليل السلوكي للناخب المغربي لتقديم حملات ممولة موجهة ، مما رفع من كلفة العملية الانتخابية وأدخل البعد المالي التقني كحاسم جديد، وهي الاختلالات التي دعت السلطات والجهات التنظيمية للتدخل بوضع ضوابط قانونية صارمة لتأطير الإنفاق الرقمي وضمان تكافؤ الفرص.
2.7. البعد السابع: البعد السياسي والحزبي (أزمة الثقة وانحدارالتسويق المؤسساتي الحزبي)
يفترض في الأدبيات السياسية الكلاسيكية أن تشكل الأحزابُ المحركَ الأساسي للعملية الديمقراطية، والوعاءَ الطبيعي لتأطير المواطنين وصياغة النقاش العمومي. غير أن تفكيك المشهد الانتخابي المغربي يكشف عن واقع مغاير تماماً؛ إذ بات هذا البعد المفصلي يحتل الموقع الأكثر هشاشة داخل الدينامية الانتخابية، مُخلفاً أزمة حادة في التسويق المؤسساتي الحزبي، ومُعمقاً الفجوة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.
لم يعد التنافس الانتخابي يتمحور حول الصراع الأيديولوجي أو الصدام البرامجي الذي ميز العقود الماضية. لقد تراجعت وظيفة التنشئة السياسية والتأطير الفكري لصالح براغماتية انتخابوية صرفة، حيث جرى استبدال "المناضل الحزبي"، الحامل لمشروع مجتمعي أو فكرة سياسية، ببروفايل "الأعيان" أو "المستتمر السياسي"؛ أي الفاعل الذي يستمد قوته من جاهه المالي، أو شبكته العلاقاتية، أو نفوذه العائلي والقبلي.
إن هذا التحول البنيوي دفع بالأحزاب إلى التخلي التدريجي عن دورها المبدئي كمدارس لتخريج الكفاءات و الأطر السياسية، لتتحول في كثير من الأحيان إلى مجرد "دكاكين تزكية" تمنح أغطيتها السياسية للمرشح الجاهز بقواعده والقدرة على تمويل حملته بنفسه. وفي هذا السياق، لم تعد التزكية الحزبية مكافأةً على الالتزام والنضال، بل أضحت "صفقة " تضمن للحزب مقعداً مريحاً في المؤسسات، حتى لو كان الثمن تفريغ العمل الحزبي من محتواه الأيديولوجي والفكري.
فأمام هذا التراجع الفكري، تعاني التشكيلات الحزبية يسارية كانت أو يمينية من عجز حاد في بناء "تسويق سياسي مؤسساتي" قادر على إقناع الناخب. فالبرامج الانتخابية غالباً ما تُصاغ بأدبيات عامة ومتشابهة تفتقر إلى الهوية المتميزة، وتكاد تخلو من الأرقام والحلول القابلة للتطبيق الميداني. هذا الضعف التواصلي والتسويقي لا يعود فقط إلى نقص في أدوات التواصل الرقمي أو الحديث، بل هو استجابة طبيعية لأزمة ثقة بنيوية عميقة تشكلت لدى الناخب المغربي تجاه جدوى العمل الحزبي والمؤسسات الجماعية والبرلمانية.
لقد تكرس لدى فئات واسعة من المواطنين انطباعٌ مفاده أن نتائج صندوق الاقتراع لا تُحدث فارقاً ملموساً في وضعهم المعيشي واليومي، وأن البرامج المكتوبة تُطوى فور إعلان النتائج. هذا الانسداد الشديد في قناة الثقة أدى إلى إفراغ "الوعود المؤسساتية" من قيمتها التأثيرية، فعندما تعجز الأحزاب عن التأطير الفكري والتواصل البرامجي المقنع، لا يبقى الفضاء الانتخابي فارغاً، بل تتسارع الأبعاد البديلة لملء هذا الفراغ المؤسساتي. فتسود آليات الشراء المباشر والغير مباشر للأصوات، وتتحرك العصبية القبليّة، وتنشط شبكات "الزبونية الموازية".
إن انحدار التسويق الحزبي لا يمثل مجرد أزمة تنظيمية داخل الدكاكين الحزبية، بل يشكل تهديداً لشرعية التمثيلية الديمقراطية برمتها؛ إذ يحول الانتخابات من محطة للمحاسبة الوطنية والمفاضلة بين المشاريع التنموية، إلى مجرد إجرائات تقنية لإعادة توزيع النفوذ والسلطة بين أصحاب "الرأس المال الاجتماعي والمالي"، معززةً بذلك حالة النفور السياسي، ولا سيما لدى الفئات الشابة والجامعية.
من كل ما سبق فإننا نستنتج أن السلوك الانتخابي للناخب المغربي ليس نمطياً ولا أحادي المحدِّد، بل هو سلوك هجين ومزدوج يدمج بين العصرنة والتقليد؛ ففي الوقت الذي تتراجع فيه الثقة في العرض الحزبي التقليدي والإيديولوجيات، يتصاعد دور الشبكات الرقمية والمال السياسي من جهة، وتستمر الهياكل الاجتماعية التقليدية (القبيلة، الزبونية، والعمل الجمعوي بمفهومه الخيري) من جهة أخرى كآليات حاسمة في ضمان واستجذاب الأصوات الانتخابية.
وتؤكد الدراسات الميدانية أن "العامل الشخصي والمكانة الاجتماعية للمرشح" ما زالا ينافسان قوة البرنامج الحزبي في العديد من الدوائر، وهو ما يفسر استمرار ظاهرة "الترحال" بين التشكيلات الحزبية قبيل كل استحقاق. وقد انتقل هذا الترحال من مفهوم "الترحال السياسي"، الذي كان نتاج اختلافات أيديولوجية حقيقية، إلى مفهوم "الترحال الانتخابي" الذي يغلب عليه منطق "من يزكيني أولاً" أو "من يمكّنني من منصب مستقبلاً" بدل الثبات الأيديولوجي، ما يفرغ الانتماء الحزبي من مضمونه. فنحن نتواجد الان فى فترة "المركاتو الانتخابي الصيفي" الأخير.
2.8. البعد الثامن: البعد الجندري في السلوك الانتخابي
يُشكل البعد الجندري أحد المحددات الدقيقة في فهم ودراسة السلوك الانتخابي بالمغرب؛ إذ يعكس مستويات التقاطع بين الهندسة القانونية للتأنيث والموروث الثقافي والمجتمعي السائد. ورغم اعتماد آليات التمييز الإيجابي "الكوطا" منذ استحقاقات 2002 عبر تخصيص 30 مقعداً ضمن لائحة وطنية للنساء، ثم تطويرها وتوسيعها لاحقاً إلى 90 مقعداً مخصصة للنساء ضمن الدوائر الجهوية من أصل 395 مقعداً، إلا أن هذه الإجراءات التمييزية ظلت تواجه كوابح بنيوية وثقافية حادة تؤتر في السلوك الانتخابي والمشاركة النسائية في أبعادها الثلاتة (ناخبة، منتخبة و مساهمة في الحملات الإنتخابية) و ذلك من خلال:
· محدودية أثر "الكوطا" في تغيير الثقافة الانتخابية: ظلت آلية التمييز الإيجابي أداة هيكلية ومؤسساتية فوقية مفروضة بقوة القانون، دون أن تترجم بالقدر نفسه إلى تحول سيكولوجي عميق في عقيدة الناخب تجاه المرشحة الأنثى. ويتضح ذلك جلياً في النسبة الكلية لتمثيلية النساء بمجلس النواب التي لم تتجاوز 24,3% عقب انتخابات 2021، وهي نسبة تؤكد ضعف قدرة المرشحات على الظفر بمقاعد خارج نطاق المقاعد المحجوزة قانوناً (الدوائر المحلية المفتوحة للتنافس الحر).
· إعادة إنتاج هيمنة الأعيان عبر "الوراثة الحزبية" : أُفرغت التمثيلية النسائية في العديد من الدوائر من مضمونها السياسي والتنموي، حيث جرى استغلال المقاعد المخصصة للنساء من طرف الشبكات العائلية والحزبية التقليدية؛ فتم ترشيح الزوجات أو القريبات لضمان استمرار نفوذ أسر الأعيان واستبقاء المقعد الانتخابي داخل دائرة النفوذ العائلي نفسها.
· هيمنة المرأة في الحملات التعبوية : لطالما اعتبر الفاعل السياسي عبر عقود من الزمن أن المرأة تشكل الية تواصلية فعالة ، ناجعة، موثوق بها و بخسة التكلفة لإدارة الحملات التعبوية و من تم فتواجدها خلال المسار الإنتخابي يتضاعف بشكل ملحوض خاصة في حملات الأعيان مقابل محدودية خارج المسار في أنشطة القطاعات النسائية الحزبية.
· التعقيد المركب في الوسط القروي: يتضاعف أثر العامل الجندري في البيئات القروية والهامشية، حيث يتقاطع مع البعدين القبلي والعائلي. وفي هذا السياق، تخضع إرادة الناخبة وقرارها الانتخابي لضغوط توجيهية مرادفة للبنية (الدكورية) والتضامنات العصبية، مما يحدّ من استقلالية صوتها الإنتخابي.
· غياب الدراسات السيكو-اجتماعية المتخصصة: يظل نمط تصويت الناخبة المغربية والسلوك الانتخابي النسائي أفقاً بحثياً غير مكتمل يفتقر إلى الدراسات الميدانية والسيكولوجية المستقلة، خاصة فيما يتعلق بدوافع الاختيار، ومدى استقلالية القرار السياسي للمرأة، وأثر التحولات التعليمية والاقتصادية على سلوكها الانتخابي.
يُظهر هذا التشخيص أن إصلاح التمثيلية السياسية للنساء يقتضي تجاوز منطق الهندسة الانتخابية التجميعية نحو معالجة الثقافة السياسية السائدة وتفكيك شبكات الريع الانتخابي العائلي، لتتحول المشاركة النسائية من مطلب شكلي وضابط قانوني إلى ممارسة مواطنة راسخة ومكفولة بالتنافس الحر.
ثالثاً: الجذور التاريخية وتطور سيكولوجية الناخب المغربي
لا يمكن فهم سيكولوجية الناخب المغربي الراهنة بمعزل عن مسارها التاريخي؛ فهي لم تتشكل دفعة واحدة، بل تراكمت عبر أربع محطات كبرى متحكم فيها من طرف الدراع التنفيذي للدولة، المتمتل في وزارة الداخلية باعتبارها المشرف المباشر على هندسة وتدبير الإنتخابات و سن قوانينها، أعادت في كل مرة صياغة علاقة المواطن بصندوق الاقتراع.
3.1. زمن الحماس والنضال: التأطير الحزبي الوطني (1956 - أواخر الستينيات)
عرف الناخب المغربي، في السنوات الأولى لما بعد الاستقلال، علاقة وجدانية قوية بالفعل الحزبي؛ إذ اضطلعت أحزاب الحركة الوطنية ،وعلى رأسها حزب الاستقلال، ثم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المنبثق عنه سنة 1959 - بدور التأطير الأيديولوجي والتعبوي للجماهير حول قضايا التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والبناء الديمقراطي لدولة الاستقلال. كانت سيكولوجية الناخب حينها أقرب إلى "الانخراط النضالي" منها إلى الحساب البراغماتي؛ فالتصويت كان امتداداً لموقف سياسي وأيديولوجي واضح ينبثق من حركة التحرر الوطني، ووسيلة للتعبير عن الانتماء لمعسكر "الحركة الوطنية" في مواجهة القوى المحافظة والتقليدية. غير أن هذا الزخم النضالي بدأ يصطدم مبكراً بمحدودية هامش المناورة السياسية، خصوصاً بعد الانقسامات داخل الحركة الوطنية وتأسيس أحزاب إدارية موازية منذ الانتخابات البلدية والتشريعية الأولى (1960-1963).
3.2. زمن الانكسار والهندسة: تدخل الدولة ووزارة الداخلية (أواخر الستينيات - منتصف التسعينيات)
شكّلت هذه المرحلة أهم قطيعة في مسار العلاقة بين الناخب والفعل الانتخابي؛ إذ تحوّلت وزارة الداخلية، منذ إشراف أحمد رضا اكديرة على أولى الانتخابات، ثم بشكل أكثر منهجية في عهد إدريس البصري الذي لُقبت وزارته بـ"أم الوزارات"، إلى فاعل مركزي في هندسة النتائج الانتخابية، عبر تقطيع الدوائر، ومراقبة الترشيحات، وأحياناً التدخل المباشر في فرز الأصوات لصالح "أحزاب الإدارة " التي كانت تضم في تركيبتها الأعيان ورجال الأعمال وأصحاب المصالح، مقابل إضعاف الأحزاب ذات الامتداد الجماهيري والمعارضة الأيديولوجية. لقد خلّف هذا "التزوير المؤسسي" أثراً نفسياً عميقاً وممتداً في وعي الناخب المغربي، تمثّل في تكريس قناعة مفادها أن نتيجة الصندوق محسومة سلفاً بمعزل عن الإرادة الشعبية، وهو ما أرسى أولى بذور العزوف واللامبالاة السياسية و الدعوة الى مقاطعة المسار الإنتخابية برمته و التي ما تزال آثارها حاضرة إلى اليوم. وقد استمرت هيمنة أحزاب الإدارة على أغلب الاستحقاقات طيلة ثلاثة عقود تقريباً، بين 1963 و1993.
3.3. زمن الأمل الحذر والتوافق: الانفتاح والتجربة الإسلامية (1996 - 2021)
مع التوافق السياسي الذي أفرز حكومة "التناوب التوافقي" سنة 1998 برئاسة عبد الرحمن اليوسفي، رفعت الدولة يدها نسبياً عن التدخل المباشرفي نتائج الإنتخابات، دون أن تتخلى كلياً عن دعم أحزاب قريبة منها بأشكال مختلفة غير مباشرة. عاش الناخب المغربي شبه انفراج نفسي في هذه المرحلة، إذ استعادت بعض الأحزاب التاريخية موقعها في المشهد، لكن سرعان ما تبدد هذا الأمل مع محدودية الهامش الفعلي لحكومة التناوب في التغيير، ما أعاد إنتاج خيبة الأمل لدى شريحة واسعة من الناخبين الذين راهنوا على "التناوب" كمدخل للقطيعة مع ممارسات الماضي و إمكانية التغيير من داخل المؤسسات التشريعية و التنفيذية.
ثم جاء زمن تجربة صعود التيار الإسلامي الذي ترأس الحكومة منذ 2011 إثر فوزه في انتخابات ذلك العام وتأكيده للفوز سنة 2016، حيث سادت حالة من الأمل في إحداث توازن سياسي ومحاربة الفساد، قبل أن تنتهي التجربة بتراجعات واختبارات قاسية في الأداء الحكومي أدت إلى تصويت عقابي حاسم سنة 2021 و قد شكل هذا التيار اخر أمل للمواطن المغربي في التغيير و شكلت خيبة أمل المواطن المغربي و خاصة أمام القرارات الصعبة التي تم اتخادها ضده.
3.4. زمن المال والوجاهة: صعود الأعيان ورأس المال السياسي (منذ منتصف الألفية إلى اليوم)
شهد المشهد الحزبي المغربي، منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، تحولاً نوعياً تمثّل في صعود لافت لنفوذ الأعيان ورجال الأعمال داخل هياكل القيادة الحزبية واللوائح الانتخابية، سواء عبر إعادة هيكلة أحزاب قائمة كحزب التجمع الوطني للأحرار، أو عبر تأسيس تشكيلات حزبية جديدة كحزب الأصالة والمعاصرة، الذي نجح في مدة قياسية في استقطاب شبكة واسعة من الأعيان المحليين والفاعلين الاقتصاديين. ولم تعد "تزكية" المرشح رهينة بالضرورة بمساره النضالي أو برنامجه السياسي، بقدر ما ارتبطت بقدرته المالية على تمويل الحملة الانتخابية، وبشبكة علاقاته المحلية وقدرته على تعبئة "الوجاهة" الاجتماعية والقرابية لصالحه؛ وهو ما رسّخ لدى الناخب تمثلاً جديداً مفاده أن السياسة "استثمار" يقتضي المال أكثر مما يقتضي الانتماء الأيديولوجي.
3.5. المشهد الانتخابي المغربي: التداعيات البنيوية للتطور التاريخي وسؤال 2026
لم تكن التحولات الراهنة التي طرأت على سلوك الناخب المغربي وليدة صدفةٍ سياسية، بل جاءت كمحصلةٍ طبيعية لتراكماتٍ تاريخية أعادت رسم التوازنات داخل الحقل السياسي. إن قراءة التطور التاريخي للعملية الانتخابية تكشف عن أربعة تداعيات بنيوية عميقة تشكل اليوم العصب الأساسي للواقع الانتخابي بالمغرب:
1. بلقنة الخريطة الحزبية وأفول الهوية الحزبية
انتقل المشهد السياسي المغربي من قطبٍ ثنائي حاد كان يدور حول محورين أيديولوجيين واضحين (الكتلة الوطنية في مواجهة الأحزاب الإدارية) إلى حالةٍ من التفتت الحزبي غير المسبوق؛ إذ باتت الساحة تضم أكثر من ثلاثين تشكيلاً حزبياً. هذا التضخم العددي لم يفرز تنوعاً في الخيارات، بل أنتج أحزاباً متماهية في خطاباتها الانتخابية، وتفتقر إلى هوية فكرية أو برامجية تميزها عن غيرها، مما جعل المفاضلة بين البرامج أمراً شبه مستحيل بالنسبة للناخب.
2. انحسار التأطير وتكريس "سوق التزكيات"
تراجعت الوظيفة التاريخية للأحزاب بوصفها قنوات للتنشئة السياسية وصناعة الوعي و الترافع حول قضايا المجتمع، لتتحول عشية كل استحقاق انتخابي إلى مجرد "منصات إجرائية لمنح التزكيات". هذا العجز البنيوي عن إنتاج نخب جديدة من القواعد النضالية فتح الباب واسعاً أمام ظاهرة "أعيان الانتخابات" أو "محترفي الإنتخابات"؛ حيث يجري استقطاب أصحاب النفوذ المالي والاجتماعي الجاهزين تعويضاً عن غياب الجاذبية الفكرية للحزب .
3. "الترحال الانتخابي" واستشراء الانتهازية السياسية
تحول تنقل الأعيان ورجال الأعمال بين التشكيلات الحزبية من مجرد سلوك فردي معزول إلى سمة بنيوية تحكم المشهد السياسي. يُمارس هذا الترحال وفق حسابات النفوذ والبحث عن التشكيلة الأقرب إلى السلطة أو الأكثر قدرة على توفير غطاء سياسي محمي، وهو ما كرس منطق "الفرصوية" على حساب أي ثباتٍ أيديولوجي أو التزامٍ تنظيمي.
4. تعميق الفجوة وتغير مسارات الفعالية السياسية
أدت عقود من الهندسة الانتخابية وهيمنة المال السياسي إلى ترسيخ قناعة لدى شرائح واسعة من المجتمع، وفي مقدمتها الشباب، بعدم جدوى صندوق الاقتراع في إحداث تغيير ملموس. ورداً على هذا الانسداد، انزاحت دينامية المشاركة السياسية نحو قنوات بديلة؛ حيث أضحت الحركات الاجتماعية المحلية، والمبادرات الجمعوية، والتعبئة الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وسائل أسرع وأكثر نجاعة في التعبير عن المطالب والضغط على القرار العمومي مقارنة بالوساطة الحزبية التقليدية.
خلاصة: تشكل "الناخب البراغماتي" في أفق انتخابات 2026
إن قراءة هذا العمق التاريخي تُعد مدخلاً شرطياً لفهم سيكولوجية الفاعل الانتخابي في اللحظة الراهنة؛ ف "الناخب البراغماتي" الذي يقف على أعتاب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة ليس نتاج قطيعةٍ فجائية مع الماضي، بل هو المحصلة التراكمية لأربعة أجيال من التجارب السياسية المتعثرة التي طوّر خلالها المواطن المغربي آليات دفاع سيكولوجية وسياسية جادة.
لقد أدّت خيبات الأمل المتتالية أمام الوعود الأيديولوجية إلى تشكيل سلوك انتخابي يتأرجح بين اللامبالاة الكلية كموقف احتجاجي صامت، وبين التصويت الحسابي/ العقابي الصارم القائم على معادلة الربح والخسارة الآنية. لم يعد الشارع يراهن على التغيير البنيوي طويل المدى عبر صناديق الاقتراع؛ بل أصبحت الأصوات تُمنح وفق معيار المنفعة المباشرة والاستجابة اللحظية للمطالب المعيشية.
إنها براغماتية اضطرارية جعلت الناخب يتعامل مع العملية الانتخابية كـ "سوق نفعي" يقتنص فيه المكتسبات الفردية أو المحلية الملموسة، بعدما فقد الثقة في قدرة الفاعل الحزبي التقليدي على قيادة تحول تنموي شامل ومستدام.
رابعاً: عشية 23 شتنبر 2026 - التحولات والمرتقبات الانتخابية
في ظل الإطار التنظيمي الجديد الذي يؤطر الاستحقاق المقبل، والذي حدد فترة إيداع الترشيحات ابتداءً من 31 غشت 2026 إلى غاية 9 شتنبر 2026، وانطلاق الحملة الانتخابية يوم 10 شتنبر لتنتهي مع منتصف ليلة 22 شتنبر، قبيل يوم الاقتراع مباشرة، يُتوقع أن تبرز ثلاثة متغيرات رئيسية تؤثر في سيكولوجية الناخب أثناء توجهه إلى مكاتب التصويت:
4.1 سلوك التصويت العقابي والجزائي
يميل قطاع واسع من الناخبين إلى بناء قرارهم استناداً إلى تقييم أداء الحكومة والأحزاب المشكِّلة للأغلبية والمعارضة خلال الولاية المنقضية (2021-2026)، ومدى وفائها بتعهداتها الاجتماعية. وكما شهدت انتخابات 2021 تراجعاً دراماتيكياً لحزب العدالة والتنمية الإسلامي المعتدل، الذي وصل إلى رئاسة الحكومة في سياق حراك الربيع العربي 2011 وانخفضت حصته من 125 مقعداً إلى 12 مقعداً فقط، فإن انتخابات 2026 تضع أحزاب التحالف الحكومي الثلاثي أمام اختبار التقييم والجزاء الشعبي. وتدلي قراءات سياسية باحتمال تصدر أحد أحزاب الأغلبية الحالية ضمن استمرارية الائتلاف القائم، مع ترجيح توسيع هذا الائتلاف بضم مكون أو مكونين من المعارضة الحالية، تحت تأثير القاسم الانتخابي وضرورة تأمين أغلبية قادرة على متابعة تنزيل أجندة "مغرب 2030".
4.2. تأثير الرقمنة وصعود المساءلة الشعبية الفورية
تمثّل الشفافية الرقمية وصعود المساءلة الشعبية الفورية تحولًا جذريًا في المشهد السياسي الحديث، حيث أعادت الوسائط الرقمية إعادة تشكيل العلاقة بين الفاعلين السياسيين والرأي العام، ونقلت مجريات التنافس الانتخابي من الصالونات المغلقة والخطابات التعبوية التقليدية إلى فضاء مفتوح يُدار بتحكم أقل ، فكما أصبح وسيلة فعالة لأستمالة الناخبين أضحى أيضا ألية للمراقبة و المساءلة و تقييم الوقع المباشرللسياسات العمومية على المواطنين، و من ثم فإن وسائل التواصل الرقمي أصبحت تساهم في تحول المشهد الانتخابي من خلال:
· توثيق السلوك السياسي: لم تعد الوعود الانتخابية أو تصريحات النخب الحزبية مجرد كلام عابر في التجمعات الخطابية؛ بل أصبحت تُحفظ في أرشيفات رقمية دقيقة. هذا التوثيق الدائم جعل التراجع عن التعهدات التنموية أو ارتكاب الزلات السياسية أمرًا موثقًا بالصوت والصورة، مما يصعب على الخطاب الحملاتي التقليدي التملص من التبعات.
· الضغط الشعبي الفوري: أتاحت منصات التواصل الاجتماعي للمواطنين إمكانية معاقبة التجاوزات السياسية في الحين، حيث تتحول هفوات النخب إلى حملات نقض ومساءلة واسعة تُضعف القوة التأثيرية للوعود العامة وغير الملموسة.
· التوجيه الرقمي القائم على البيانات: في المقابل، وتفاعلاً مع صعوبة السيطرة على الفضاء المفتوح، اتجهت الأحزاب الكبرى إلى الاستعانة بوكالات خبرة وشركات متخصصة في الحملات الرقمية الموجهة (كما برز في استحقاقات 2021). تعتمد هذه الشركات على تحليل البيانات الضخمة للناخبين وسلوكياتهم الرقمية لإعادة رسم توجهاتهم وتصميم رسائل انتخابية مخصصة وموجهة لفئات محددة.
· التأثير على تكافؤ الفرص: أدى التفاوت في القدرة المالية والتقنية على النفاذ إلى تقنيات الخوارزميات وتحليل البيانات إلى خلق عدم توازن بين الأحزاب الممولة والأحزاب الصغرى ، مما جعل التأثير الرقمي أداة حسم حصرية لمن يملك الموارد.
أمام هذه الاختلالات الناتجة عن توظيف تقنيات التوجيه الرقمي المكثف، فرضت الجهات المشرفة على الاستحقاقات الانتخابية ضوابط تنظيمية جديدة. تهدف هذه الإجراءات إلى تقنين استخدام البيانات الشخصية في الحملات الانتخابية، وضبط التمويل الموجه للإعلانات الرقمية، لضمان حماية إرادة الناخبين وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الفرقاء المتنافسين.
4.3. الناخب الجديد وتحدي إدماج الشباب و مغاربة العالم
تشكل الفئات الشابة التي تدخل اللوائح الانتخابية لأول مرة شريحة حاسمة في المعادلة الانتخابية، إذ تتصف بسيكولوجية أكثر نقدية وتطلباً، وتطالب بحلول عملية ملموسة لملفات الشغل والتعليم والعدالة المجالية. غير أن المفارقة اللافتة أن هذه الفئة نفسها هي الأكثر عزوفاً عن التسجيل والتصويت؛ إذ تكشف دراسات ميدانية أن الغالبية الساحقة من الشباب المستطلعة آراؤهم لا ينتمون لأي تنظيم سياسي أو نقابي، ويفضلون أشكالاً بديلة من الانخراط الاجتماعي - العمل الجمعوي، الفضاءات الرقمية، الأندية الرياضية والثقافية - على العمل الحزبي التقليدي.
يعد تصويت مغاربة العالم من الثغرات الموضوعاتية اللافتة في النقاش الحالي حول سيكولوجية الناخب المغربي و غيابُ ملف الجالية المغربية بالخارج، رغم كونها كتلة ديمغرافية وازنة. فحق التصويت مكفول قانونياً للمغاربة المقيمين خارج الوطن عبر آلية " التصويت بالوكالة " لفائدة ناخب مسجل بالمغرب، وقد استُحدثت لأول مرة قبيل استحقاق 23 شتنبر 2026 منصة رقمية لتحرير هذه الوكالات إلكترونياً عبر البعثات القنصلية، تيسيراً للمسطرة التي كانت تستلزم سابقاً التنقل والمصادقة الحضورية. غير أن غياب تمثيلية مباشرة لمغاربة الخارج داخل مجلس النواب (على خلاف تجارب فرنسا أو البرتغال التي خصصت مقاعد نيابية لجاليتها) يطرح، من زاوية سيكولوجية الناخب، سؤال الشعور بالتمثيلية لدى فئة تساهم اقتصادياً في البلد دون أن تملك صوتاً برلمانياً مباشراً يعبّر عن قضاياها الخاصة، وهو ما يستحق معالجة مستقلة في نسخة موسّعة من هذا المقال.
خامساً: خاتمة واستنتاجات إستراتيجية
تكشف دراسة سيكولوجية الناخب المغربي، في أفق انتخابات 23 شتنبر 2026، عن انتقال مرتقب - وإن كان غير مكتمل ولا خطي - من أنماط الولاء التقليدية والحزبية إلى نمط "الناخب الناقد والبراغماتي". وإذا كان العامل الزبائني والروابط المحلية ما زالا حاضرين في رسم خريطة النتائج في العديد من الدوائر، فإن منسوب الوعي الاجتماعي، وتأثير الفضاء الرقمي، وضغوط الواقع الاقتصادي والاجتماعي، باتت تعيد تشكيل الخريطة السيكولوجية للمواطن المغربي بوتيرة متسارعة.
وفي النهاية، ستظل نسبة المشاركة، ومدى قدرة الأحزاب السياسية على استعادة ثقة الشباب والطبقة الوسطى، هما المحدد الحاسم في تحديد شرعية استحقاق 2026 ومخرجاته السياسية. فكلما تمكنت الفاعليات الحزبية من ردم الهوة بين الخطاب والممارسة، وتحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية ملموسة، كلما أمكن الحد من ظاهرة العزوف وإعادة بناء جسور الثقة بين الناخب والمؤسسة التمثيلية؛ وهو رهان يتجاوز استحقاق شتنبر 2026 ليطرح نفسه كأحد أهم أوراش الإصلاح السياسي في المغرب المقبل.
مراجع ومصادر
1. موسوعة ويكيبيديا، "الانتخابات العامة المغربية 2026".
2. الجزيرة نت، "الانتخابات التشريعية المغربية 2026.. الرهانات، والمحددات، والمآلات المحتملة"، يونيو 2026.
3. منصة أصوات، "الانتخابات التشريعية المغربية 2026.. تحديد موعد الاقتراع وإجراءات جديدة".
4. فبراير، "عزوف الشباب عن التصويت بالمغرب: أزمة ثقة وتحديات المشاركة السياسية"، ماي 2026.
5. جريدة الشمال، "السوسيولوجية الانتخابية؛ أي دور لفهم السلوك الانتخابي بالمغرب".
6. موقع العمق المغربي، "كيف نشأت الأحزاب السياسية في المغرب؟".
7. مركز الجزيرة للدراسات، "المغرب: تحولات مكونات المشهد السياسي الحزبي".
8. فبراير.كوم، "أحزاب الإدارة: تنظيمات صنعت في مطبخ السلطة".
9. موقع الباحث القانوني، زكرياء حلوي، "المش المشهد السياسي والحزبي في مغرب ما بعد الاستقلال: من الصراع إلى التوافق".
10. جريدة الأخبار، "كيف عالج مسؤولو الداخلية السابقون فترات الانتخابات؟".
11. هسبريس، "أثر القاسم الانتخابي على أساس مجموع المسجلين".
12. موقع الانتخابات الرسمي، elections.ma، معطيات ونتائج استحقاقي 2016 و2021.






