قضايا

بنكيران والملك.. المشكلة في السؤال أم في حق طرحه؟

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)
كثير من الأصدقاء والمتابعين يرسلون إلي منذ أيام مقاطع وتدوينات حول تصريح عبد الإله بنكيران بشأن أحداث سبتة، بعدما قال إنه تقدم بطلب إلى الملك محمد السادس يستفسر فيه عن حقيقة ما جرى، ومن دبره وكيف، وإنه لم يتلق جوابا بعد.

وأعرف أن البعض ينتظر مني انتقاد بنكيران. وقد فعلت ذلك غير مرة، كما أن أسلوبه السياسي لم يعد يعجبني منذ مدة طويلة. لكنني هذه المرة لا أريد مناقشة الرجل، وإنما الفعل السياسي نفسه.

أنا لا أؤمن بأن أحدا سيئ تماما أو جيد تماما. السياسي والإعلامي والفاعل في الحياة العامة يُناقَش في أفعاله ومواقفه، لا وفق صورة نهائية نضعها له ثم نحاكم كل ما يصدر عنه على أساسها.

لذلك، نعم، يمكن أن ننتقد بنكيران في التوقيت، وفي طريقة طرح السؤال، وفي اختياره إعلان الأمر للرأي العام. بل يمكن أن نسأله: هل كان الأجدر أن يوجه سؤاله إلى المؤسسات الحكومية والبرلمانية المختصة؟ وهل كان إعلان انتظاره جوابا من الملك مجرد إخبار، أم أنه أراد أن يمنح السؤال وزنا سياسيا إضافيا؟

هذه أسئلة مشروعة.

لكن ثمة سؤالا آخر أراه أهم: هل أصبح مجرد مخاطبة الملك فعلا يستوجب الإدانة؟

منذ أن وعيت على الملكية في المغرب، عرفت ملكية مختلفة في علاقتها بالمغاربة باختلاف المراحل والملوك. عرفت في عهد الحسن الثاني دولة تواجه ظروفا بالغة القسوة، وملكا ارتبط في الوعي العام بقوة الشخصية والصرامة والدهاء السياسي و وقف بحزم و تصدى لكل ما يمكنه أن يجر المغرب إلى المجهول و هذا ما تطلبته المرحلة في حينها.

ثم عرفت مع الملك محمد السادس صورة ملك أكثر قربا من المواطنين، حتى أصبح اللجوء إليه في المخيال المغربي أمرا طبيعيا عندما تفشل إدارة أو يعجز مسؤول أو يشعر مواطن بأنه لم يُنصف.

هذه العلاقة لا يمكن أن نمحوها بخطاب سياسي طارئ، لذلك لم أفهم الدعوات التي تتعامل مع مخاطبة الملك وكأنها تجاوز في حد ذاتها.

من حق بنكيران أن يخاطب الملك، كما من حقنا أن نختلف معه في سبب المخاطبة وطريقتها وتوقيتها.

لكن الحق في مخاطبة الملك لا يعني إطلاقا الحق في توظيف اسم الملك سياسيا.

وهنا تكمن النقطة التي ينبغي أن يُحاسب عليها بنكيران إن كان ثمة ما يستوجب المحاسبة..أن تقول: "رفعت سؤالا إلى الملك"، شيء.

وأن تجعل من انتظار جواب الملك ورقة في النقاش السياسي، أو توحي بأن عدم الجواب يحمل دلالة سياسية محددة، شيء آخر.

الملك ليس مطالبا بالدخول في سجال مع كل سياسي، ولا بأن يجيب علنا عن كل سؤال يوجه إليه. قد يجيب، وقد لا يجيب، وقد يكون الجواب عبر مؤسسة أو قناة لا تظهر للرأي العام..والصمت أحيانا، قرار.

لكن في الاتجاه المقابل، لا ينبغي أن يتحول هذا إلى قاعدة غريبة مفادها أن السياسي أو المواطن لا يحق له أن يرفع طلبا إلى الملك أصلا.

الملكية المغربية ليست مؤسسة تحتاج إلى من يحرس بابها من الأسئلة.

إذا رأت أن شخصا تجاوز حدودا معينة، فلها مؤسساتها وقنواتها ووسائلها التي تتيح لها أن ترد أو توضح أو تصحح أو تتخذ ما تراه مناسبا.

لا تحتاج إلى متحدثين غير رسميين يقررون بالنيابة عنها من يحق له مخاطبتها.

هنا تحديدا أرى أن بعض ردود الفعل على بنكيران وقعت في مفارقة غير مقصودة: أرادت أن تدافع عن هيبة الملكية، فانتهت إلى تقديمها وكأنها تخشى السؤال.

والملكية القوية لا تخشى السؤال.

بل تستطيع أن تسمعه، وأن ترفضه، وأن تتجاهله، وأن تجيب عنه في الوقت الذي تختاره, لذلك، لا أجد نفسي مضطرة اليوم إلى مهاجمة بنكيران أو الدفاع عنه.

يمكن أن يكون قد أخطأ في التقدير، ويمكن أن تكون طريقته غير موفقة، ويمكن أن يكون اختياره للقناة غير مناسب سياسيا.

لكن نقد ذلك كله لا يحتاج إلى تحويل العلاقة بين الملك والمواطن إلى منطقة ممنوعة.. هل كان من حق بنكيران أن يخاطب الملك؟ هذا ليس هو السؤال، 

 الأهم منه: لماذا خاطبه، وكيف استخدم هذه المخاطبة سياسيا بعد ذلك؟..هذه بداية النقاش الحقيقي.

أما الملكية، فلا تحتاج إلى أوصياء على بابها.

فمن قوة المؤسسة أن تترك لها هي نفسها تحديد من تجيب، ومتى تجيب، وكيف تجيب.

وإذا كان الملك قريبا من المواطن في وعي المغاربة، فلا ينبغي أن يصبح بعض المدافعين عنه أكثر حرصا على صناعة المسافة بينهما من الملك نفسه...