سياسة واقتصاد

الشباب وصناعة الوعي الانتخابي.. مسؤولية توعية الآباء وحسن الاختيار

محسن الندوي (رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية)
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تتجدد مسؤولية المواطن في ممارسة حقه في التصويت، باعتباره حقا وطنيا، وأمانة ينبغي أن تؤدى بوعي ونزاهة، بعيداً عن المال والإغراءات والوعود الكاذبة.

ولا ينبغي أن ينظر المواطن إلى صوته باعتباره فرصة للحصول على بعض الدراهم أو الهدايا أو الولائم، وإنما باعتباره أمانة يختار بها من يراه أهلاً لتحمل المسؤولية وخدمة المواطنين والصالح العام.

وفي هذا السياق، يبرز دور الشباب في توعية الآباء والأمهات وذويهم، خصوصاً في البوادي وبعض المدن وهوامشها، حيث يوجد من لا يقرأ ولا يكتب، أو لا يتابع وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، وقد لا تصله المعلومات الكافية حول الانتخابات والمرشحين والبرامج، أو قد يتم دعوته إلى وليمة انتخابية لا يعلم مضمونها ولا محتواها.

إن الشباب اليوم أمام مسؤولية كبيرة داخل أسرهم. فإذا كان الآباء قد بذلوا سنوات طويلة في تربية أبنائهم وتعليمهم، فإن من واجب الأبناء أن يردوا لهم الجميل بالتوعية والنصح، وأن يشرحوا لهم أهمية الصوت الانتخابي وخطورة التصويت مقابل دراهم معدودة.

وقد تناول الملك محمد السادس هذه المسألة بوضوح في خطابه بمناسبة الذكرى الثانية والستين لثورة الملك والشعب سنة 2015، حين أكد أن التصويت لا ينبغي أن يكون لفائدة المرشح الذي "يقدم بعض الدراهم، خلال الفترات الانتخابية، ويبيع الوعود الكاذبة للمواطنين"، معتبراً أن هذه الممارسات ليست فقط أفعالاً يعاقب عليها القانون، وإنما هي أيضاً "تعبير صارخ عن عدم احترام الناخبين".

كما أكد الملك محمد السادس أن التصويت ينبغي أن يكون لصالح المرشح الذي تتوفر فيه شروط الكفاءة والمصداقية والحرص على خدمة الصالح العام.

وهذه التوجيهات تحمل رسالة واضحة مفادها أن الانتخابات مسؤولية المواطن قبل أن تكون مسؤولية المرشح. فالمرشح يعرض نفسه لخدمة الناس، لكن المواطن هو الذي يمنحه الثقة، ولذلك فإن حسن الاختيار مسؤولية لا ينبغي الاستهانة بها.

ولا تكتمل المسؤولية الانتخابية من دون استحضار البعد الأخلاقي والديني. قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾

فالصوت الانتخابي ليس مجرد اختيار عابر، وإنما هو شهادة يعبّر بها الإنسان عن قناعته بمن يراه أهلاً لتحمل المسؤولية، والشهادة أمانة يُسأل عنها الإنسان أمام الله تعالى يوم القيامة؛ ولذلك فإن حسن الاختيار يقتضي التثبت والتحري، وعدم جعل المال أو المنفعة أو الوعود الكاذبة سبباً في منح هذه الشهادة لمن لا يستحقها.

فالناخب حين يدلي بصوته، ينبغي أن يستحضر أنه يمارس مسؤولية لها آثار على حياته وحياة غيره. فقد يكون الصوت سبباً في وصول شخص كفء ونزيه إلى المسؤولية، وقد يكون، في المقابل، سبباً في تمكين شخص غير مؤهل إذا كان الاختيار مبنياً على المال أو المصلحة العابرة.

إن مسؤولية الشباب لا تنتهي عند حدود مشاركتهم الشخصية في الانتخابات، بل تمتد إلى أسرهم ومحيطهم الاجتماعي؛ فواجب على كل شاب وشابة أن يكون سفيراً للوعي الانتخابي داخل أسرته، وأن ينقل المعلومة إلى الآباء والأمهات وكبار السن، ويشرح لهم أهمية أصواتهم، وخطورة أن يساهموا، ولو عن غير قصد أو دون إدراك، في إيصال الفاسدين والمفسدين إلى مواقع المسؤولية، بسبب المال أو الهدايا أو الوعود الكاذبة. فالتوعية هنا ليست ترفاً، وإنما مسؤولية وواجب، لأن الاختيار الواعي يحمي المجتمع من سوء الاختيار، والصوت أمانة لا تُباع ولا تُشترى.

وتتأكد هذه المسؤولية في البوادي وبعض المدن وهوامشها، حيث قد تحول الأمية أو محدودية الاطلاع على وسائل الإعلام والتواصل دون معرفة كافية بالمرشحين وبرامجهم ومواقفهم. وهنا يصبح نقل المعلومة وفتح النقاش داخل الأسرة جزءاً من المسؤولية المجتمعية، بما يساعد على أن يكون القرار الانتخابي ثمرة معرفة ووعي، لا نتيجة تأثير ظرفي أو منفعة عابرة.

فالمال الذي يُدفع خلال الحملة الانتخابية ينتهي، والهدية تُستهلك، والوليمة تنقضي، والوعد قد لا يجد طريقه إلى التنفيذ، بينما قد تمتد آثار الاختيار الانتخابي لسنوات. وقد لا يدرك الناخب، في لحظة التصويت، أن اختياراً يبدو بسيطاً قد يساهم في إيصال شخص فاسد إلى موقع مسؤولية، فتكون لقراره انتكاسات مباشرة على حياة المواطنين ومصالحهم.

ومن هنا، فإن دور الشباب في توعية آبائهم وأسرهم ليس أمراً ثانوياً، بل هو امتداد طبيعي لدورهم في المجتمع، ومسؤولية تفرضها المعرفة التي يمتلكونها وقدرتهم على الوصول إلى المعلومات. فكلما وصلت المعلومة إلى من يحتاج إليها، واتسع النقاش الواعي داخل الأسرة، تراجعت فرص أن يكون المال أو الوعد أو الانطباع العابر هو العامل الحاسم في الاختيار.

فالوعي الانتخابي يبدأ من المعلومة، ويترسخ بالحوار، وكلما ارتفع مستوى الوعي لدى الآباء والأبناء معاً، أصبح الناخب أكثر قدرة على التمييز والمساءلة، وأصبحت الأحزاب والهيئات السياسية أمام ناخب أكثر وعياً وأشد حرصاً على اختيار من يمثلونه، بما يشجعها على تزكية وتقديم الكفاءات والنزهاء، بدل من تحوم حولهم شبهات الفساد أو من لا تتوفر فيهم شروط تحمل المسؤولية. وبذلك لا يكون الوعي الانتخابي وسيلة لحسن الاختيار فحسب، بل عاملاً مؤثراً في الارتقاء بالممارسة السياسية نفسها.