1. الاحترام التام للمؤسسات الدستورية
تقديم الاحتجاج المهني للمحامين بوصفه مواجهة مع الدولة أو رفضًا لظهير شريف قراءة لا تعكس حقيقة الموقف ولا سياقه. فالمحاماة جزء أصيل من منظومة الدولة، وقد كان المحامون المغاربة على الدوام في طليعة المدافعين عن ثوابت الوطن ووحدته الترابية. والخلاف منحصر في اختيارات تشريعية بعينها، والاعتراض بغاية تجويد النصوص ممارسة ديمقراطية مشروعة، في حين أن التشكيك في النوايا لا يسهم في معالجة الاختلالات التشريعية موضوع النقاش.
2. مفارقة 2017 و2026 في مسار استقلال العدالة
في سنة 2017، اتخذ المغرب خطوة مهمة بفصل النيابة العامة عن وزارة العدل، تعزيزًا لاستقلال السلطة القضائية. وفي المقابل، يوسّع القانون 66.23 من حضور السلطة الحكومية المكلفة بالعدل والنيابة العامة في تدبير شؤون الدفاع، بدءًا من الولوج إلى المهنة ووصولًا إلى المراقبة والتأديب. وهذا التوجه المزدوج يطرح إشكالًا تشريعيًا جوهريًا يمس توازن منظومة العدالة، إذ يصعب الحديث عن استقلال مهنة يخضع تدبيرها لسلطة تمثل الطرف المقابل في الدعوى العمومية.
3. حماية المتقاضي لا حماية المصالح الفئوية
اختزال موقف المحامين في اعتبارات مادية يُغيّب جوهر النقاش، المتمثل في التحفظ على التوسع التشريعي في تنظيم مهنة حرة وإخضاعها لرقابة إدارية. فحقوق الدفاع ليست امتيازًا مهنيًا، بل حق للمواطن وضمانة دستورية للمحاكمة العادلة، تتأثر جوهريًا متى أصبح الدفاع خاضعًا لتدخل السلطة التنفيذية.
4. الملاحظات المسطرية والرقابة الدستورية
صدر هذا التشريع دون أن تتمكن المحكمة الدستورية من البت في مطابقته للدستور، بسبب عيب مسطري في الإحالة تمثل في إرفاق تقرير اللجنة البرلمانية عوض النص النهائي. وعدم تدارك هذا العيب قبل النشر يطرح تساؤلات مشروعة حول سلامة المساطر المتبعة وجودة صناعة التشريع.
5. مقارنة بالنماذج الديمقراطية
يسير التوجه نحو توسيع الرقابة الإدارية في اتجاه مغاير لما هو معمول به في الأنظمة المقارنة؛ ففي فرنسا وإسبانيا وتونس والسنغال، يُعهد بتدبير شؤون المهنة إلى مجالس الهيئات المستقلة. والمحاماة بالمغرب، بتاريخها ورصيدها، جديرة بأن تحظى بالضمانات ذاتها التي كرّستها هذه الأنظمة لاستقلال الدفاع.
6. الاتساق مع المعايير والاتفاقيات الدولية
يثير هذا التشريع تساؤلات بشأن انسجامه مع المكتسبات التي راكمتها المملكة ومع المبادئ الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها مبادئ هافانا لسنة 1990. إذ تؤكد هذه المواثيق ضرورة تمتع الهيئات المهنية بإدارة ذاتية مستقلة تمارس مهامها دون تدخل خارجي، وهو ما يجعل مراجعة النص في ضوء هذه الالتزامات أمرًا وجيهًا.
في الأخير، إن الدفاع عن استقلال مهنة المحاماة لا ينبغي أن يُفهم دفاعًا عن امتيازات فئوية أو مصالح مهنية ضيقة، وإنما دفاعًا عن أحد المكونات الأساسية لمنظومة العدالة، وعن حق المتقاضي في دفاع مستقل وفعال. ومن هذا المنطلق، يُستحسن أن يبقى النقاش حول القانون 66.23 نقاشًا قانونيًا ومؤسساتيًا رصينًا، بعيدًا عن التشكيك في النوايا والتأويلات التي لا تخدم أحدًا. فاستقلال المحاماة ليس امتيازًا للمحامي، وإنما ضمانة للمتقاضي وركيزة من ركائز دولة القانون والمؤسسات.






