سياسة واقتصاد

من "مكتب الاتصال" إلى "السفارة".. اتفاق العقل السيادي.. ولا عزاء للإسلامجيين وعُبّاد الكوفية

محمد عزيز الوكيلي (إطار تربوي متقاعد)
إن الحدث الذي جرى بنيويورك أول أمس، السادس عشر سبتمبر 2026، لم يكن مفاجئاً بالمغزى القدحي ولا حتى المجازي للكلمة، بل كان تتويجاً منطقياً وبالتالي متوقعاً، منذ سنة 2020، لمسار انطلق غداة الإعلان في شهر دجنبر من تلك السنة عن الاتفاق المغربي الإسرائيلي، برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، الرامي إلى الارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى التمثيل السفاري الكامل، واستئناف الرحلات المباشرة للخطوط الملكية المغربية ذهابا وجيئةً بين البلدين الحليفين.

ورغم أن القرار سيادي بامتياز، فقد سارع الإسلامجيون وعُبّاد الكوفية وهواة المزايدة، المغاربة يا حسرة، الذين يريدون أن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، إلى إخراج أسطواناتهم المشروخة عن "التطبيع والخيانة"، وهلمّ تباكياً ونَدْباً... وسأرد عليهم من هذا المنبر على النحو التالي، وبكل هدوء، لأن الموضوع أكبر بكثير من مزايداتهم البخسة:

أولاً: نحن لا نبيع الوهم، نحن نحمي الوطن، لأننا محاطون بعدوانية مشهودة وموثَّقة، شرقاً وشَمالاً.

فهناك جار شرقي لا يتوقف عن تسليح وتدريب وتمويل عصابة تهدد وحدتنا الترابية، فضلا عن صفقاته الفلكية في إعداد ذاته لحرب مباشرة، لا يفتأ يهددنا بإشعال فتيلها ليل نهار على لسان رئيس الدولة الحقيقي، "ذي الحفّاظات"، غير السعيد شنقريحة؛

وجار شمالي، يحتل مدينتينا سبتة ومليلية وجزرنا، ويتربص بنا الدوائر في كل محفل أوروبي، على ألسنة ساسته وجنرالاته المتقاعدين، لأنه تعوزه الجرأة والشجاعة لمواجهتنا وجها لوجه.

في عالم كهذا، وفي ظرف جيوسياسي من هذا القَبيل، يصبح مجرد تصنّع الحياد انتحاراً، وأقول هذا لأصحاب الملحفة والكوفية معاً، لأنهم الذين تجاوزوا الحياد إلى مقارعة مواطنيهم ووطنهم من الداخل، كما يفعل الخونة، بكل شروط الخيانة ومعاييرها.

وعلى أولئك المتباكين على غزة وعلى تطوّر مراحل ما يسمونه تطبيعاً، وإن هو إلاّ وضع للأمور في نصابها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والأمني والعسكري... أقول، عليهم أن يعلموا أن هذا الحلف الثلاثي ليس ترفاً سياسياُ ودبلوماسياً، بل هو "رافعة ردع استراتيجية" تقوّي شوكتنا الاقتصادية والأمنية والعسكرية.

إنّ على مَن يتباكون على الكوفية، أن يطرحوا على أنفسهم السؤال: من يحمي الحدود؟ وأن يفطنوا إلى أن السيادة لا تُصان بالشعارات، ولا بنوبات البكاء الطفولي، وإنما بقرارات تستلزم التحلي بشجاعة وجرأة قياسيتين، أكاد أجزم أنهم لا يستطيعون حتى مجرد تخمينها في دائرة تصوراتهم وأحلام يقظتهم !!  

ثانياً: نحن نبادر إلى نوع وازنٍ من الاستثمارات، بدلا من الركون إلى الشعارات. وبالمناسبة أسأل هؤلاء جميعاً:

أين كان صراخهم حين كانت أقاليمنا الجنوبية شبه فارغة، تصفّر فيها رياح الفصول والمواسم؟ أين كانوا عندما كانت تتهاطل على حدودنا هناك قذائف وصواريخ تحمل أعلام ورموز أكثر من ستّ دول جمعها نظام جزائر بوخروبة ومن تلاه فضلا عن مرتزقة البوليساريو، وأذكر من تلك الدول: مصر عبد الناصر، وليبيا القذافي، وسوريا حافظ وبشار الأسد، وجنوب إفريقيا، وكوبا كاسترو، وفنزويلا ورهط آخر من بوليفيا ومن دول أخرى أغلبها لم يكن آنئذ عارفاً حتى بالموقع الجغرافي الحقيقي لمسارح ذلك العدوان... أين كان كل هؤلاء المتباكين المغاربة آنئذ، عندما كان اقتصاد تلك الأقاليم ميتاً بسبب تلك التهديدات؟!

ثم ألا يرى هؤلاء، اليوم، أن هذا المسار، قد جعل الاستثمارات منذ بدايته تتقاطر بسرعة قياسية على الداخلة والعيون... أم أنهم يريدون أكل الغلة وسب الملة كعادتهم، دون أن يروا بعين العقل والمنطق، الإيجابيات والمنافع التي تتحقق بفضل هذا المسار بالذات، على كل الأصعدة، أم أنهم يفضلون العمل بمقولة النفاق الأعظم: "الحلّوف ما ناكلو ومرقتو نسقّي بيها"؟

إن هذا الاتفاق الجديد يمهد لإطار قانوني صلب لحماية الاستثمارات، وهو ما يعني مصانع ريادية، وطاقة نظيفة، وأمن غذائي، وتكنولوجيا زراعية متطورة، وتقنية إسرائيلية جد متقدمة، في تحلية مياه المتوسط والأطلسي، نحن في أمس الحاجة إليها بكل تأكيد.

والأهم من هذا كله أيضاً، معركة الثروات الباطنية. حيث أن حقول الغاز الأطلسية، وجبل تروبيك الذي يحتوي على كنز عالمي من الكوبالت والمعادن النادرة، لن نستطيع استغلاله بمعزل عن حلفاء يملكون التكنولوجيا الأكثر تطوراً، وآخرين يتمتعون بحق الفيتو في مجلس الأمن. وإن هذا الحلف لَيفتح لنا باب هذا الضرب من الاستكشاف والاستغلال، الذي يريد هؤلاء المتخلفون أن يُغلقوه، ولمّا يفطنوا بغبائهم المفرط إلى منافعه وإيحابياته.

ثالثاً: إن صحراءنا الشرقية المحتلة، ومدينتينا السليبتين سبتة ومليلية وجزُرَنا، قد آن أوان استرجاعها بالكامل، وبكل الوسائل الممكنة والمتاحة،

وهنا بيت القصيد، الذي يخافه ويخشاه هؤلاء الذي بزايدون علينا.

ذلك، أن هذا الدعم الأمريكي الإسرائيلي غير المسبوق لمغربية الصحراء، والذي تم التأكيد عليه أول أمس مُجَدَّداً، كأساس وحيد للحل، هو نفسه الذي سيمهد الطريق غداً لملفاتنا الأخرى المسكوت عنها طويلاً، وأقصد صحراءنا الشرقية المقتطعة من ترابنا في غفلة فترات الحماية، وسبتة ومليلية والجزر، التي ضاق التاريخ ذرعا ببقائها كأقدم المستعمرات في هذا القرن وهذه الألفية بالذات، حيث ينبغي أن تُطوى في العالم برمته كل ملفات الاحتلال إلى الأبد.

نهايته... إن السياسة ليست عناداً طفولياً، ولا بكاءً على الأطلال والدِّمَن، بل هي تراكم أوراق القوة. وإن من يملك أوراق واشنطن وتل أبيب في ملف الصحراء الغربية، سيملك قوةً تفاوضيةً أكبر وأثقل، في ملفَّي الصحراء الشرقية وسبتة ومليلية والجزر.

لذلك، فإن هذا الاتفاق ليس ضد فلسطين، وهؤلاء المتباكون يعلمون ذلك ويتعامون عنه، ويعلمون أن لفلسطين شعبها، ولديها ممثلها الشرعي الذي يتعامل هو نفسه مع إسرائيل، بل ويتوسل إليها أن تعامله بشيء من النِّدّية. وبالتالي، فإن هذا الاتفاق هو مع الوطن أولاً، ومع المواطنين المغاربة ثانياً، وبتحصيل الحاصل مع مستقبل أبنائنا ثالثاً.

وليعذرنا الإسلامجيون، وعبّاد الكوفية، المتباكون على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي وللااجتماعي، فالوطن لا تُدار أولوياتُه وملفاتُه الحيويةُ والمصيريةُ بجُبْن من خلف ثقوب اليوتيوب والأنستغرام والتيك توك... وهلم وسائل يسهل فيها الصراخ وراء الجدران، وخلف الأسماء والصور المستعارة... و... عجبي !!!