رأي

عبد الرحيم بوعيدة: والله ما سخينا بيكم..

أجمل ما في هذه الأيام الانتخابية أنها تجعل للمال مواسمه، وللمواطن نصيباً عابراً من الوليمة.. فجأة، يتذكر أصحاب المحافظ الثقيلة أن للشارع أبواباً، وأن للقرى أسماء، وأن للفقراء أيادي تستحق المصافحة، وأن التراب الذي لم يكن صالحاً للجلوس يصبح، بقدرة الحملة، أريكة وطنية فاخرة.. يا لها من معجزة صغيرة تحدث كل خمس سنوات.. ينزل المال من عليائه ليمشي حافياً بين الناس، وتخلع السياسة حذاءها الرسمي، وتجلس القرفصاء إلى جانب المواطن.

والمترشح الذي يدخل هذه الرحلة، إلا من رحم ربي من الاستثناءات القليلة، لا يدخل وفي جيبه مجرد حلم بمقعد.. يدخل وفي جيبه ما يكفي ليخسر ملياراً من أجل أن يربح كرسياً.. وهنا يحق لنا أن نسأل السؤال الذي لا تحبه الكراسي كثيراً.. هل يعقل أن يكون مبلغ الستة والثلاثين ألف درهم الذي يتقاضاه البرلماني، بعد حصة الحزب، هو الذي يدفع رجلاً إلى كل هذا السخاء.. أم أن وراء الستارة أبواباً لا تظهر في الصورة، وأن البرلمان، بالنسبة إلى البعض، ليس مقعداً بل مفتاحاً، وليس راتباً بل باباً.. وهناك أناس جعلوا من الترشح عادة، ومن النيابة إقامة دائمة، حتى إنك تكاد تنسى كم ولاية قضاها بعضهم.. ثماني ولايات، تسع، وربما أكثر.. سنوات كافية لأن يكبر طفل، ويتخرج شاب، وتتغير أسعار الخبز والمحروقات، بينما يظل الوجه نفسه يطل علينا بالابتسامة نفسها والوعد الذي شاخ قبل أن يتحقق.

بقيت أيام قليلة قبل أن يطفئ هذا الكرنفال أنواره.. وستنتهي الوليمة التي كان فيها كل شيء مشمولاً: الطعام، والموسيقى، والرقص، والبندير، وهز الكتف، والابتسامات المجانية، والقبل التي تتوزع على الرؤوس كأنها صدقات من السماء.. إنها ليست حملة انتخابية فقط، بل فندق مفتوح بكل الوجبات، ولعل بعضهم يتمنى في سره لو أن وزارة الداخلية تمدد الإقامة شهراً آخر.

ما أجمل المواطن في زمن الانتخابات.. يصبح الوزير ابن الحومة، والنائب ابن الدرب، والمترشح ابن البادية الذي قرأ في الظلام.. يفترشون الأرض معه، يأكلون الهندية والشفنج والمرقة، ويقسمون أن قلوبهم لم تعرف طريقاً إلا إلى الناس.. وفي الصورة يبدو الجميع سعداء، وحده الكرسي في الخلف يعرف أن هذه السعادة مؤقتة.

لأن أسبوع المشماش لا يعيش طويلاً.. ما إن تنتهي الحملة حتى تعود الشخصيات إلى ديكوراتها القديمة.. الفيلات إلى صمتها، والمسابح إلى زرقتها، والسيارات إلى زجاجها الداكن، وربما يطير بعضهم إلى ماربيا ليغسل عن جسده آثار التلاحم الشعبي.. عفواً، يغسل جسده فقط، أما الذنوب السياسية فليس للماء الإسباني قدرة على إزالتها.. أما المواطن فيعود إلى بيته حاملاً صورة أو قبعة أو قميصاً، ثم يستيقظ على وجه آخر للوطن: فاتورة الماء والضوء، ثمن الدواء، غلاء الخبز، مدرسة بلا ماء، وطريق لا تزال حفرة طويلة، ومستشفى يطلب من المريض أن يكون صبوراً أكثر مما ينبغي.

وسيعود أولئك الذين كانوا يفترشون التراب إلى مقاعدهم.. وسيعود التراب وحده إلى المواطن.. سيسمع من جديد “وطني مستقبلي” و”الوطن أولاً”، كلمات تلمع مثل نجوم بعيدة، بينما الوطن الحقيقي يجلس في الأسفل، في قرية عطشى، أو أمام باب مستشفى، أو في طابور طويل.. ثم ستغلق الهواتف، وستتحول الرسائل العاجلة إلى رسائل مؤجلة، وستعود حليمة إلى عادتها القديمة.. فلكل شيء موسم، للانتخابات موسم، وللوعود موسم، وللنسيان موسم، أما الانتظار فلا موسم له.

ولست أكتب هذا من برج التشاؤم.. أنا فقط أزيح الستارة قليلاً.. فخلف الواجهة المزينة بالأعلام توجد نخب احترفت السياسة حتى حفظت خرائطها عن ظهر قلب، ثم حفظتها في الرسم السياسي، عفواً، العقاري.. حتى أصبح بعض المواقع مسؤولية عامة في الخطاب، وملكية عائلية في الواقع.. والمواطن في هذه الحكاية شريك وضحية.. شريك لأنه أحياناً يعتبر الانتخابات مناسبة لتوزيع فائض الثروة، يأخذ نصيبه عشرة أيام، ثم يعود للشكوى من الغلاء والطرق والمستشفى والسكانير.. وضحية لأن بعض النخب لم تعد تراه مواطناً، بل زبوناً موسمياً يُستدعى عند الحاجة ويُنسى بعد آخر صندوق اقتراع.

كنت في بداية مشواري السياسي أبحث عن العطب بعيداً، وأضع الدولة في قفص الاتهام.. ولا أبرئها من مسؤولياتها، لكن حين دخلت السياسة من رئاسة الجهة إلى البرلمان، اكتشفت شيئاً أكثر مرارة.. اكتشفت أن جزءاً من أعطابنا نصنعه نحن، ثم نقضي العمر في البحث عن مذنب آخر.. واكتشفت أن بعض الأحزاب التي كان يفترض أن تكون مدارس لتخريج رجال الدولة تحولت إلى ضيعات عائلية، وأن بعض الزعماء يشبهون واجهات متاجر ضخمة لا تجد خلفها إلا الفراغ.. وتأكدت أن لا أحد يدفعك إلى الفساد إذا لم يكن في داخلك باب مفتوح له.. قد يغريك، لكن اليد الأخيرة التي تمتد إلى المال هي يدك أنت.

ولهذا، جاءت قوانين التخليق، وتعددت النصوص، ومع ذلك وجدنا أحزاباً ترشح أشخاصاً ما تزال ملفاتهم تطرق أبواب القضاء.. وكأن القانون وضع حارساً على الباب، فجاء من الداخل وفتح له النافذة.. إنها أزمة قيم وأخلاق قبل أن تكون أزمة نصوص.. فالقانون يستطيع أن يمنع ويعاقب وينظم، لكنه لا يستطيع أن يزرع الضمير في صدر من لا يريد له أن ينبت.. لا يجعل الطماع قنوعاً، ولا الانتهازي وطنياً، ولا الفاسد نزيهاً.. ولهذا يبدأ إصلاح السياسة من الإنسان قبل النص، ومن الضمير قبل صندوق الاقتراع.

لذلك اجعلوا من الانتخابات فرصة، لا مناسبة للرقص والأكل والتقاط الصور فوق موائد الفقراء.. اسألوا المرشح سؤالاً بسيطاً وقاسياً: ماذا ستفعل حين تنتهي الحملة، وتنطفئ الكاميرات، ويختفي البندير والهندية والشفنج، ولا تبقى يد تمتد لتصافحك.. ماذا سيبقى منك حين لا يبقى حولك أحد.. فمن يبحث عن حل جذري، ابحثوا عنه، ومن يكرر الكلام نفسه ببدلة جديدة، اتركوه للكلام.. لأن الصوت لا يعيش يوماً واحداً، بل قد يعيش خمس سنوات، وقد يرسم خلالها طريقاً، أو يؤخر مستشفى، أو يفتح باباً لشاب، أو يغلقه.

ولا تعودوا بعد ذلك إلى البكاء والشكوى.. فمن باع صوته لم يبع ورقة تدخل صندوقاً فقط، بل باع قطعة من الغد، وربما لم يعرف أن الغد كان واقفاً إلى جانبه يومها.. يمد يده ولا أحد يراه.

وعموماً.. ها أنتم تقولون الآن: والله ما سخينا بيكم.. وأنا أفهمكم، فالوداع مؤلم حين ينتهي العرس وتبقى الصحون فارغة.. لكنهم لن يسخوا بكم طويلاً.. سيتركونكم قليلاً، ثم يعودون في الانتخابات الجهوية والجماعية، وستعود السيارات والابتسامات والأيادي والبندير والمرقة والوعود من حقائبها القديمة.. وعندكم الزهر، لن تنتظروا طويلاً.. ففي هذا البلد يكفي أن ينتهي صيف حتى يبدأ صيف آخر، وكأن الانتخابات عندنا مثل البحر.. كلما ظننت أنك خرجت منه، عاد الموج وأعادك إليه.

والله ما سخينا بيكم.. لكن يبدو أنكم أنتم أيضاً لم تسخوا بعد بهذه الحكاية.