رأي

بديعة الراضي: كنت بدوار المطاحن

كنت بدوار المطاحن… حيث لا تصل الطريق كما ينبغي، ولا يصل الماء كما ينبغي، ولا تصل الكهرباء أصلا، وحيث تبدو المسافة بين المواطن وبين أبسط حقوقه أطول من كل الطرق المؤدية إلى الدوار.

لقد اقترح علي الأخ يونس البحاري ،حين حطت بي الرحال بواد أمليل، في إطار التواصل مع ساكنتها أن نترك حملتنا الانتخابية جانبا، وأن نسلك طريقا آخر، خارج المدينة، عبر مسالك وعرة، لنصل إلى شباب دوار المطاحن. قال إنهم يريدون أن يتحدثوا، إليك ويحتاجون إلى قلمك بعدما سدت أمامهم الأبواب وبحت حناجرهم وبدأ اليأس يتسرب إلى القلوب والعقول.

لم أرفض رغم أن التعب تسرب الى جسدي المنهوك بنفس الوجع 

الذي تراكم في داخلي وأنا اتنقل بين تراب بلدي بكثير من الإنصات والحبر السيال لعلنا نجد من يستمع لنا .

وجدناهم ينتظروننا عند جانب الممر المتآكل المؤدي إلى الدوار، في مقهى معزول، يشبه في عزلته حال المكان. مقهى صغير، لكنه المتنفس الوحيد لأبناء الدوار. جلست بينهم وقررت أن أصمت، لأن الصمت أحيانا يكون أبلغ من كل الخطب.

تحدثوا، وكان الكلام يخرج من أفواههم محملا بالغضب والخذلان: «نحن مهانون». ثم توالت الجمل كأنها لائحة مفتوحة من الانتظارات المؤجلة، لا كهرباء، لا ماء، لا مستوصف، ولا مدرسة في مستوى ما يحلمون به لأبنائهم. 

قالوا إنهم طرقوا أبوابا كثيرة، وإن رسائلهم ظلت تبحث عن طريقها إلى من يقرأها، وإن أبوابا أغلقت في وجوههم، وإن مطالبهم انتهت، في إحساسهم، إلى سلة مهملات.

ثم جاء الماء، رغم ان السد يبعد بثلاثين كيلومتر فقط، هو الماء الذي لا ينبغي أن يكون موضوعا للنقاش في مغرب اليوم، فإذا به يتحول في دوار المطاحن إلى أصل الحكاية وفصلها. تحدثوا عن خلل أدى إلى انقطاع الماء، وعن مصاريف وفواتير ترتبت عليهم، وعن عجزهم عن الأداء، وعن اتهامات بالاستيلاء على الماء بعدما أصبحوا عاجزين عن الوصول إليه. لم أكن قاضية لأحكم في التفاصيل، ولا محققة لأفصل في الوقائع. كنت مناضلة جاءت لتسمع، وما سمعته كان كافيا لكي أفهم أن المشكلة ليست في الماء وحده، بل المشكلة في الإحساس بأن المواطن يمكن أن يعيش بعيدا عن عين التنمية، قريبا جدا من التهميش.

ظل الشباب يتحدثون، إلى أن اندفع يونس البحاري في الكلام، مستعيدا علاقته بالدوار وأهله، ومعلنا انتماءه إليه، ومتذكرا يوم وقف إلى جانبهم، حين بلغ غضبه حد المطالبة باعتقاله إذا أخطأ في أسلوب التفاوض، بينما كان يرى أن التفاوض لم يكن سوى محاولة لإنقاذ دوار كامل من القهر والإهمال.

في تلك اللحظة، أدركت أن المشهد أكبر من حملة انتخابية. كان مواطنون يتحدثون عن وطنهم من زاوية الطريق الوعرة، والبيت الذي ينتظر الماء، والطفل الذي يحتاج إلى مدرسة، والسكن الذي يدبر فوق أراضي السلالية والفلاحة المغتصبة، والمريض الذي يبحث عن مستوصف، والأسرة التي تريد أن تعيش بكرامة.

 وحين طلبت الكلمة، لم أجد ما أقوله سوى أن حكاية دوار المطاحن ليست حكاية هذا الدوار وحده، وأن خلف هذه المسالك دواوير كثيرة تحمل الأسئلة نفسها، ومغاربة ما زالوا يضعون الصحة والتعليم والماء وظروف العيش في مقدمة مطالبهم، فيما تتسع أمامهم صور الأوراش الكبرى والمشاريع الكبرى، وتظل المسافة بين المشروع وبين المواطن هي الجرح الذي لم يلتئم بعد.

إنه مغرب يسير بسرعة واحدة، نعم، لكنه يحتاج إلى أن تكون هذه السرعة بسفينة تحمل الجميع. 

هو مغرب ترفع فيه العدالة الاجتماعية عنوانا كبيرا، لكن العدالة لا تصبح واقعا إلا حين يشعر بها المواطن في بيته وشارعه ومدرسته ومستشفاه وماء شربه. 

قلت لهؤلاء لقد انتبهت أعلى سلطة في البلاد إلى هذا التفاوت، ونبهت إلى ضرورة أن تنعكس الأوراش الكبرى على الحياة اليومية للمواطنين في مختلف ربوع المملكة، وهذه ليست مسألة تقنية ولا تفصيلا إداريا، إنها جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين التنمية والكرامة.

وقلت لعبد الرحمان ومحمد ويونس ويوسف، ولكل شباب الدوار، إن المواطن لا ينبغي أن يبقى مجرد رقم في تقارير التنمية، ولا أن يتحول الدوار إلى نقطة بعيدة لا ترى إلا على الخريطة. 

وقلت إن المسؤولية لا تقع دائما على الآخرين وحدهم، فنحن، كمواطنين، نتحمل جزءا من مسؤوليتنا حين نترك القرار لمن يجلس فوق كرسي معاناتنا، ثم نكتفي بالشكوى من بعيد. فالديمقراطية لا تنتهي عند الشكوى، وإنما تبدأ حين يتحول المواطن من متفرج على واقعه إلى فاعل فيه، وحين يصبح صوته أداة لمساءلة من يتولى تدبير الشأن العام.

غادرت دوار المطاحن، لكنني لم أغادره بالفعل ، ظل الطريق المتآكل في ذاكرتي، وظلت المقهى المعزولة، وظلت عبارات الشباب تتردد في داخلي: «نحن مهانون». وكنت أفكر أن الوطن لا يمكن أن يكون سريعا في جهة، وبطيئا إلى هذا الحد في جهة أخرى، وأن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تبقى شعارا جميلا في الخطب، ثم تتحول في الدواوير إلى انتظار طويل أمام باب مغلق.

كنت بدوار المطاحن… وهناك، أكثر من أي مكان آخر، فهمت أن العدالة المجالية ليست مصطلحا في وثيقة، وأن الدولة الاجتماعية ليست شعارا، وأن كرامة المواطن تبدأ من أبسط الأشياء: ماء يصل، وكهرباء تضيء، ومدرسة تفتح أبوابها، ومستوصف لا يكون حلما، وطريق لا تعاقب الناس لأنهم ولدوا في دوار بعيد.

عدت أحمل دوار آخر إلى جانب الدواوير التي بنينا أسوارا عليها كي نظل ننتشي بعبارات أننا متميزون .