سياسة واقتصاد

إساءات للانتخابات (5)

جواد شفيق (فاعل سياسي)
حياد السلطة ....دعوها تستقيم

منذ أعطى جلالة الملك تعليماته للشروع في التشاور و التحضير للاستحقاق التشريعي ل 23 شتنبر 2026 ، ثم لتشكيل اللجنة الوطنية و اللجن الإقليمية للانتخابات ، لضمان تنظيم شفاف و نزيه للعملية الانتخابية ، لم يفتأ و لم يتعب السيد وزير الداخلية من الجهر و التأكيد بأنه على الأحزاب و مرشحيها أن يشمروا عن سواعدهم و يعولوا فقط على أنفسهم ، و قدراتهم على الإقناع و الاستقطاب ، و أن السلطة مهمتها تتحدد ، و فقا للتعليمات الملكية ، و كما هو معمول به في كل البلاد الديمقراطية، في الإشراف و التنظيم و ضمان حسن سير العملية ، و هي بذلك تقف و ستقف على نفس المسافة من كل المرشحين .

تأكيدات السيد وزير الداخلية و هي تجد طريقها إلى التنزيل ، وجدت تجاوبا إيجابيا واسعا ، لدرجة أن أمين عام حزب العدالة و التنمية شهد بذلك في تجمعات خطابية كثيرة ، و لدرجة أن أي مسؤول حزبي رفيع لم يطعن في حياد السلطة المؤكد لحد الساعة.

و رغم ذلك ، فإن أدمغة و عقول بعضهم ، ساسة و مرشحيهم ، من العاجزين و الفاشلين و المتملقين ، لم تستوعب بعد إمكانية أن تحقق الانتخابات و الديمقراطية المغربية هذه الميزة ، و أن ينجحوا على "دراعهم".

و هكذا ، مازال بعضهم ، من القادة يا حسرة ، رحم الله السي عبد الرحيم بوعبيد ، مؤمنون بأن كل شيء مرتب ، بل و مقسم مسبقا خارج صناديق الاقتراع ، و مهمتهم هي أن يتفاوضوا حول تقوية نصيبهم بحسب قربهم أو خنوعهم ، و أما الانتخابات في وعيهم فليس فليس للمغرب منها إلا الشكل و المظهر.

 هذا حال هذه الطينة من القادة ، الذين من كثرة ترديدهم لهذا الكلام ، انقلب عليهم سحرهم غير مرة .

ذلك أنهم غالبا ما كانوا يواجهون من طرف مرشحين محتملين بسؤال " ما دام الأمر يتعلق بترتيب و توزيع و كوطا حزبية فهل هناك من ضمانات لأكون ضمن هذه الكوطا أم علي أن أبحث لنفسي عن ضامن آخر ؟".

و سيرا على نهج هؤلاء "القادة" فإن بعض المرشحين يذهبون أبعد من قادتهم في الإساءة للانتخابات .

إذ منهم من لمجرد أن له علاقة صداقة ، أو تجارة ، أو صفقة ، أو توريد ، أو يقدم خدمة ، لهذه المؤسسة أو الإدارة أو السلطة فإن ذلك يعتبر في تقديره الانتهازي جواز ترشيح باسمها.

و منهم ، من لمجرد أن له خالتو فدار العرس ، فهو مخول ليأكل بلا ما يغسل يديه .

و منهم ، من لمجرد أن له قريب أو نسيب من أطر الدولة و في مؤسساتها ، وزير أو عامل أو والي أو سفير أو ضابط كيير فتلك ضمانة نجاح ..

حتى أن أنصار هؤلاء ، و ببلادة ما بعدها بلادة ، لا يتورعون عن مواجهة خصومهم بزعم أن مرشحهم هو فوق باقي الترشيحات ، و لأنه قريب بحكم مهنته من السلطة فهو مرشحها ، و لأن قريبه فلان أو علان فإن نجاحه في حكم المؤكد ، و قد تذهب بهم حماستهم الغبية بعيدا ليجزموا بأن مرشحهم "عندو سوارت " هذا المسؤول أو ذاك.

و تبلغ الحماسة ، البلادة ، الإساءة مداها عندما يجتمع رهط ما حول كأس شاي ، أو ماء آخر أكثر تحميسا و يشرعون في السفسطة :

شحال غيعطيونا ؟ 

ما غايعطيوناش هنا ، و غيعوضونا لهيه .

ما يمكنش مانتمثلوش فهاذ المدينة .

ديالنا صاحب فلان ، و كيعرف فلانة ، و عندهوم معه مصالح ، مقعدو فالجيب...

و ما إلى ذلك من أحلام يقظة جربناها و سمعناها و ما زلنا نسمعها .

في زمن سياسي آخر كانت السلطة طرفا و فاعلا أساسيا..

هل لا زالت بحاجة ذلك ، و لم يعد لذلك من معنى و لا مبرر. 

لا أعتقد.

هل في الترشيحات الحالية اختيارات سياسية تفترض نوعا ما من تدخل السلطة / الدولة ك régulatrice. 

لا أعتقد.

إن مرشح السلطة و الدولة فيما أعتقد وفقا لتعليمات جلالة الملك ، و لما هو جار لحد الساعة ، هو نزاهة العملية و شفافيتها و ديمقراطيتها .

هو أن ينجح المغرب .

و ما عدا ذلك من ترهات عافها و عفى عنها الزمن ، فهي علاوة على إساءتها و إدانتها لأصحابها "الديمقراطيين جدا" ، و للسلطة التي يدعون كذبا أنهم مرشحوها ، فهي إساءة بالغة و للانتخابات و المؤسسات....

إلى إساءة أخرى.