سياسة واقتصاد

بنكيران بين حق التنقل السياسي ووهم اللعبة الديمقراطية

إدريس بلعطار (شاعر زجل)

كنت ومازلت ضد عبد الإله بنكيران، وهذا موقف مبدئي لا تراجع عنه، وقد تصدينا له حين استهدف رجال ونساء التعليم في واحدة من أسوأ مسرحياته الرديئة التي أخرجها رفقة زميله المصطفى الرميد، مسرحية عنوانها "مافراسيش". يومها شُجت رؤوس الأساتذة في الشوارع وسالت دماؤهم على الأرصفة، ونُعتوا بأقدح النعوت، ووُصفوا بـ"القراد" في تصريح لا يليق برئيس حكومة، حين قال بمنطق قطع رأس الكلب الذي يحمل القراد. ثم جاء ليستعمل كلمة حق أراد بها باطلاً، "عفا الله عما سلف"، ليبرئ ذمة الفاسدين وناهبي المال العام، وليطلق العنان للمحتكرين والمضاربين باسم إصلاح صندوق المقاصة، فارتفعت الأسعار وتعمق جرح القدرة الشرائية. مآسيه في تدبير الشأن العام لا تعد ولا تحصى، وتاريخه في ضرب المكتسبات الاجتماعية محفور في ذاكرة الشغيلة المغربية.

لكن، ومع كل هذا السجل الأسود، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقارن مآسي ولايته بمآسي ما جاء بعده. فما خلفه حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار من تدمير ممنهج للطبقة المتوسطة، ومن إغراق للبلاد في منطق الشركات والمقاولات بدل منطق الدولة الاجتماعية، ومن توسيع للفوارق الطبقية بشكل غير مسبوق، يفوق بكثير ما اقترفه بنكيران. على الأقل كان الرجل يملك خطاباً سياسياً، وإن اختلفنا معه، بينما من جاء بعده لا يملك حتى الخطاب.

ورغم كل هذا الخلاف الجذري مع الرجل وحزبه، فإن الديمقراطية، إذا كنا فعلاً نؤمن بها في حدها الأدنى، تقتضي أن نقول كلمة الحق: من حق بنكيران أن يجوب المغرب شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، للدعاية لحزبه، شأنه شأن باقي الأمناء العامين للأحزاب الأخرى. لا يمكن أن نكون ديمقراطيين انتقائيين، نؤمن بحرية التنقل والتعبير فقط لمن يتفق معنا ونمنعها عمن نختلف معه. إما أن نؤمن بالديمقراطية للجميع، وإما أن نعترف بأننا لسنا ديمقراطيين. ومنع أي حزب من التواصل مع المواطنين، سواء بالاحتجاج الغوغائي أو بالتضييق السلطوي، هو نكوص خطير وضرب لمبدأ التعددية الذي يكفله الدستور.

لكن السؤال الجوهري الذي يجب أن نطرحه بكل جرأة، بعيداً عن شخص بنكيران أو غيره، هو: هل هذه اللعبة السياسية برمتها قادرة على تجسيد الديمقراطية ولو في حدها الأدنى؟

كيف يمكن أن نتحدث عن ديمقراطية حقيقية في غياب تأطير حقيقي للمواطنين؟ كيف نطلب من مواطن أنهكه الفقر والجهل والهشاشة أن يختار على أساس برنامج سياسي وهو لا يجد قوت يومه؟ إن الواقع المرير يقول إن أغلبية من المواطنين تم تفقيرهم وتجهيلهم عمداً، حتى أصبحوا رهائن لمن يدفع أكثر. فالصوت الانتخابي في العديد من الدوائر لم يعد تعبيراً عن قناعة سياسية، بل أصبح سلعة تباع وتشترى، والموقف السياسي أصبح يتبنى منطق "اللي عطا أكثر".


هنا مكمن الخلل. المشكل ليس في جولات بنكيران أو جولات أخنوش، المشكل في بنية اللعبة نفسها. لعبة تدار بمنطق الريع والزبونية، أحزاب بدون تأطير، بدون مدارس تكوين، بدون تواصل يومي مع هموم الناس، تظهر فقط في موسم الانتخابات بمنطق الصدقة والإحسان. فكيف ننتظر من هذه اللعبة أن تنتج ديمقراطية؟

نعم، من حق بنكيران أن يتجول وأن يدعو لحزبه، وهذا حق يكفله

 القانون، ويجب أن ندافع عنه حتى ونحن ضده. لكن في المقابل، يجب أن نملك الشجاعة لنقول إن الديمقراطية لا تختزل في حق التجوال، بل في حق المواطن في العيش الكريم، في التعليم، في الصحة، في الوعي الذي يجعله يختار بحرية دون أن يكون سجين 200 درهم.

بدون ذلك، سنبقى ندور في حلقة مفرغة، نغير الوجوه ونبقي على نفس المسرحية الرديئة، مسرحية عنوانها "مافراسيش" لكن بأبطال جدد.