فالدولة التي تريد بناء اقتصاد تنافسي ومجتمع متماسك ونخب سياسية قادرة على تدبير الشأن العام لا تستطيع أن تبدأ من النتيجة؛ أي من البحث عن فرص الشغل، أو توسيع التغطية الصحية، أو إطلاق برامج الدعم الاجتماعي، ثم تتجاهل نقطة البداية: المدرسة.
وهنا تبرز أهمية استحضار النقد الذي وجهه المفكر المغربي عبد الله العروي إلى مظاهر التحديث الشكلي. فالتحديث، في جوهره، ليس كثرة المشاريع والمنشآت ولا وفرة الشعارات، وإنما إعادة بناء العقل المؤسساتي والاجتماعي على أساس العقلانية والنجاعة والقدرة على تجاوز البنيات التي تعيد إنتاج التخلف.
المفارقة المغربية اليوم أن الدولة راكمت مؤسسات واستراتيجيات وبرامج متعددة، وأصبحت تمتلك إطاراً قانونياً جديداً للتعليم، كما أن وزارة التربية الوطنية تضع ضمن أولوياتها المعلنة تقليص الهدر المدرسي، وتوسيع الدعم الاجتماعي، والنقل والإيواء المدرسيين، وتحسين جودة التعلمات.
لكن السؤال الأكثر إزعاجاً ليس: هل توجد البرامج؟ بل: لماذا لا تتحول هذه البرامج بالسرعة والعمق المطلوبين إلى تحول اجتماعي محسوس؟
من هنا تنبع الإشكالية المركزية لهذه المقالة: هل يستطيع المغرب بناء دولة اجتماعية حقيقية من دون إعادة تعريف التعليم باعتباره قضية دولة، وربطه عضوياً بالصحة والتشغيل، وإخراجه من منطق التدبير الحكومي القصير المدى إلى منطق التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد؟
المحور الأول: التعليم ليس قطاعاً حكومياً بل قضية دولة أكبر خطأ في تدبير التعليم هو اختزاله في وزارة ووزير وميزانية ومذكرات تنظيمية. التعليم أكبر من الحكومة، لأنه يتعلق بإنتاج المواطن الذي ستقوم عليه الدولة بعد عشرين وثلاثين سنة.
ولهذا فإن استمرار التعامل مع الإصلاح التعليمي باعتباره برنامجاً حكومياً قابلاً للتعديل مع كل دورة سياسية يعني عملياً إعادة إنتاج المشكلة.
إن المدرسة لا تحتاج إلى وزير جديد بقدر ما تحتاج إلى استمرارية مؤسساتية، ولا تحتاج إلى كثرة المشاريع بقدر ما تحتاج إلى تقييم صارم لما ينجح وما يفشل.
وهنا يصبح اقتراح إعطاء المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي دوراً استراتيجياً أقوى اقتراحاً قابلاً للنقاش. فالمجلس، دستورياً، مؤسسة مستقلة ذات طبيعة استشارية، ومن اختصاصاته إبداء الرأي في السياسات العمومية وتقييم البرامج والسياسات التعليمية وإنجاز الدراسات واقتراح سبل تحسين المنظومة.
لكن المطلوب ليس تحويله ببساطة إلى "وزارة بديلة"، لأن ذلك سيخلق إشكالاً جديداً يتعلق بالمسؤولية السياسية والمحاسبة الديمقراطية.
المطلوب هو شيء أكثر عمقاً: أن يصبح المجلس عقل الدولة الاستراتيجي في التربية، بينما تظل الحكومة مسؤولة عن التنفيذ السياسي والإداري أمام البرلمان والمواطنين.
أي فصل واضح بين: صناعة الرؤية والمعايير والتقييم؛ اتخاذ القرار السياسي؛ التنفيذ الإداري والميداني؛ المراقبة والمحاسبة.
وهذا الفصل يمكن أن يقطع الطريق على ظاهرة خطيرة: أن يصبح الإصلاح التعليمي رهيناً بشخص الوزير أو بمذكرته أو بتوجه حزبه.
فالمدرسة المغربية تحتاج إلى عقد وطني طويل الأمد، لا يتغير بتغير الحكومات.
المحور الثاني: إلزامية التعليم إلى البكالوريا ومحاربة الهدر المدرسي تبدأ من العدالة المجالية إذا كان المغرب يريد فعلاً القضاء على الهدر المدرسي، فعليه أن يتوقف عن تحميل الأسرة والتلميذ وحدهما مسؤولية الانقطاع.
لا يمكن أن نقول لتلميذ في قرية جبلية: "التعليم إجباري"، بينما لا توجد مؤسسة قريبة، أو نقل منتظم، أو داخلية ملائمة، أو موارد اجتماعية تساعد أسرته على تحمل تكاليف التمدرس.
الإجبارية بلا شروط مادية للاستمرار في الدراسة ليست سياسة اجتماعية؛ إنها مجرد نص قانوني.
ولهذا فإن أي سياسة وطنية لجعل المسار التعليمي إلزامياً إلى غاية البكالوريا يجب أن تقوم على منظومة متكاملة: بناء المدارس والثانويات حيث توجد الحاجة الفعلية؛ تعميم الداخليات ودور الطالب والطالبة في المناطق النائية؛ توفير نقل مدرسي آمن ومنتظم؛ دعم التغذية المدرسية؛ تقوية التعليم الأولي؛ اكتشاف التعثر الدراسي في مراحله الأولى؛ توسيع برامج الاستدراك والدعم؛ توفير التوجيه النفسي والتربوي والمهني؛ ربط المدرسة بالحماية الاجتماعية للأسرة.
وتؤكد المعطيات الرسمية الحالية أن الوزارة نفسها تتعامل مع النقل والإيواء والدعم الاجتماعي والمدارس الجماعاتية باعتبارها أدوات للحد من الهدر، خصوصاً في المناطق القروية والجبلية.
لكن هنا ينبغي الذهاب أبعد. لا ينبغي أن تكون المدرسة مجرد بناية تستقبل التلميذ؛ بل شبكة حماية اجتماعية تحمي الطفل من الفقر، والعمل المبكر، والانقطاع، والزواج المبكر، والاستغلال والهشاشة.
وهذا هو المعنى الحقيقي للعدالة المجالية. فحين يصبح مكان ولادة الطفل محدداً لمساره الدراسي، فإن الدولة لا تكون قد حققت تكافؤ الفرص، مهما ارتفع عدد المؤسسات والمشاريع.
المحور الثالث: من الفشل الدراسي إلى مسار ثانٍ للنجاح — التجنيد والتكوين المهني هنا تتجلى الفكرة الأكثر جرأة في هذا التصور: كيف نتعامل مع الشباب الذين لم يوفقوا في نيل شهادة البكالوريا أو واجهوا تعثراً في مسارهم الأكاديمي؟
الخيار البديهي والمرفوض هو تركهم لمصيرهم في الشارع. وفي الوقت ذاته، يجب الحذر من تحويل التجنيد إلى عقوبة للراسبين، أو جعله ملاذاً لمن أخفق النظام التعليمي في استيعابهم.
لذا، إذا تم التوجه نحو إرساء مسار وطني يدمج بين التكوين، والانضباط، والخدمة المجتمعية أو العسكرية، فيجب هندسته ليكون "مساراً ثانياً للنجاح" وليس محطة عقابية. هذا المسار البديل يمكن أن يكون بوتقة تجمع بين عدة أبعاد حيوية: التكوين المهني واكتساب مهارات تقنية في المهن المطلوبة. محو الأمية الوظيفية والرقمية. التربية على المواطنة وتعزيز الانضباط من خلال الرياضة. التدريب الميداني والإسعافات والخدمات الاجتماعية. التكوين في قطاعات واعدة كاللوجستيك، الصيانة، البناء، الفلاحة، الصناعة، والخدمات. توفير توجيه عملي نحو فرص الشغل أو ريادة الأعمال.
ولكي يحقق هذا المسار أهدافه، يجب أن يكون متاحاً للذكور والإناث وفق قواعد واضحة وعادلة، بحيث ترتبط المشاركة فيه بالتأهيل والاندماج الفعلي، بعيداً عن أي وصم اجتماعي.
بيد أن الأهم في هذه المعادلة هو ربط هذا المسار بمتطلبات سوق الشغل بشكل عضوي، لا صوري. فلا جدوى من تكوين آلاف الشباب في مهارات لا طلب عليها اقتصادياً. من هنا تبرز الحاجة الماسة إلى إرساء حلقة مترابطة تبدأ من التعليم، مروراً بـ التكوين، واستجابة لـ حاجات الاقتصاد، وصولاً إلى التشغيل.
فطالما استمرت المدرسة في تخريج تخصصات لا تتلاءم مع النسيج الاقتصادي، وطالما ظلت منظومة التكوين معزولة عن التحولات الصناعية والتكنولوجية، فإن جهود التمدرس ستظل تنتج البطالة. ولتجاوز هذه المعضلة، يجب إدماج سياسة التشغيل في صلب النظام التعليمي بدءاً من المرحلة الإعدادية والثانوية. ويتحقق ذلك عبر التوجيه المهني المبكر، واستكشاف مهن المستقبل، وربط المناهج التعليمية بالدينامية الاقتصادية على المستويين المحلي والجهوي.
المحور الرابع: لا دولة اجتماعية بلا صحة ولا تعليم جيد ولا اقتصاد قادر على التشغيل لا يمكن بناء دولة اجتماعية فعالة من خلال التعامل مع الصحة والتعليم والتشغيل باعتبارها قطاعات منفصلة أو مجرد اختصاصات موزعة بين وزارات مختلفة. هذه المجالات، في جوهرها، تشكل سلسلة مترابطة لإنتاج الإنسان القادر على التعلم والعمل والمشاركة في المجتمع.
فالطفل الذي لا يحصل على تغذية سليمة ورعاية صحية مناسبة قد تبدأ معاناته قبل أن يدخل المدرسة أصلاً، وقد تؤثر ظروفه الصحية والاجتماعية في قدرته على التعلم. والتلميذ الذي يتلقى تعليماً ضعيفاً أو لا يجد التوجيه والدعم المناسبين، يدخل سوق العمل بمهارات محدودة وفرص أقل. أما الشاب الذي لا يجد تكويناً مناسباً ولا عملاً مستقراً، فقد يجد نفسه أمام البطالة والهشاشة والإقصاء الاجتماعي.
وهكذا تنشأ حلقة مفرغة: ضعف الاستثمار في الإنسان يؤدي إلى ضعف التعلمات، وضعف التعلمات يؤدي إلى صعوبة الاندماج الاقتصادي، ثم تتحول البطالة والهشاشة إلى أعباء اجتماعية تتطلب من الدولة تدخلاً أكبر لمعالجة النتائج التي كان من الممكن الوقاية من جزء كبير منها في وقت مبكر.
لذلك، فإن جوهر الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن يكون فقط في معالجة المشكلات بعد وقوعها، وإنما في الاستثمار الوقائي في الإنسان قبل أن تتحول الصعوبات إلى أزمات.
من معالجة النتائج إلى الاستثمار في الإنسان تغيير هذه المعادلة يقتضي الانتقال من منطق التدخل المتأخر إلى منطق الوقاية والاستثمار المبكر.
فالاستثمار في صحة الطفل هو استثمار في قدرته على التعلم. والاستثمار في جودة المدرسة هو استثمار في قابلية الشباب للتكوين والعمل. والاستثمار في التكوين والتشغيل هو بدوره استثمار في الاستقرار الاجتماعي وفي قدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة.
ومن هنا يصبح التعليم حجر الأساس، لكن التعليم لا يستطيع أن ينجح منفرداً. فالمدرسة تحتاج إلى منظومة اجتماعية وصحية واقتصادية تحيط بالمتعلم وتمنحه الظروف التي تسمح له بالنجاح.
ولهذا ينبغي أن تتقاطع المدرسة مع الصحة من خلال الفحص الصحي الدوري للتلاميذ، والصحة النفسية المدرسية، والتغذية، والتربية الصحية، والوقاية من الإدمان والعنف، إضافة إلى الكشف المبكر عن الإعاقات وصعوبات التعلم.
كما ينبغي أن يتقاطع التعليم مع التشغيل من خلال التوجيه المهني المبكر، والتكوين التقني، والتدريب الميداني، والشراكة مع المقاولات، والتكوين المستمر، وربط التكوين بحاجات الاقتصاد وسوق العمل.
وفي المقابل، يجب النظر إلى الصحة باعتبارها جزءاً من الاستثمار الاقتصادي أيضاً. فالعامل الذي لا يستطيع الوصول إلى العلاج، أو الذي تعيقه مشكلات صحية مزمنة، لا يمثل فقط حالة اجتماعية تحتاج إلى الدعم، وإنما قد يعني كذلك خسارة في الإنتاجية والدخل والاستقرار الأسري.
وبذلك تصبح القطاعات الثلاثة — الصحة والتعليم والتشغيل — أجزاء من سياسة واحدة هدفها الأساسي هو بناء رأس مال بشري أكثر صحة، وأفضل تعلماً، وأكثر قدرة على العمل والإنتاج والاندماج.
من تعدد البرامج إلى هندسة وطنية متكاملة إذا كانت الدولة الاجتماعية تريد الانتقال من معالجة الهشاشة إلى الوقاية منها، فإن المطلوب ليس فقط إطلاق برامج جديدة، وإنما بناء منظومة متكاملة تحدد المسؤوليات والأهداف والنتائج وتقيس أثر السياسات العمومية على حياة المواطنين.
وفي هذا الإطار، يمكن اعتماد مجموعة من الإصلاحات المترابطة:
اعتماد ميثاق وطني ملزم للتعليم: وضع تعاقد وطني طويل الأمد حول التعليم، يمتد عبر الحكومات ولا يتغير جوهره بتغير الأغلبية السياسية، مع تحديد أهداف واضحة وقابلة للقياس في مجال التعلمات، والهدر المدرسي، والإنصاف المجالي، والتكوين، والتوجيه، والإدماج المهني.
إعادة تعريف دور المجلس الأعلى للتربية والتكوين: لا يتعلق الأمر بإلغاء دور الوزارة، وإنما بتوضيح الأدوار داخل منظومة الحكامة: المجلس الأعلى: التفكير الاستراتيجي والتقييم المستقل وتقديم التوصيات. الحكومة: اتخاذ القرار وتنفيذ السياسة وتحمل المسؤولية السياسية. الإدارة: تنزيل الإصلاحات ومتابعة تنفيذها. البرلمان: التشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية. وبذلك يمكن الجمع بين الخبرة التقنية والمسؤولية الديمقراطية، دون أن يصبح الإصلاح التعليمي رهينة للتجاذب السياسي اليومي.
جعل التمدرس إلى نهاية التعليم الثانوي هدفاً وطنياً تدريجياً: رفع سقف الطموح نحو تمديد التعليم الإلزامي تدريجياً إلى نهاية التعليم الثانوي، مع إدراك أن الإلزام لا يمكن أن ينجح بمجرد النص عليه، بل يحتاج إلى توفير شروطه، من نقل مدرسي، وداخليات، وتغذية، ودعم اجتماعي، وبنيات مدرسية وموارد بشرية كافية.
إنشاء مسار ثانٍ للنجاح: ليس كل الشباب ملزمين بسلوك المسار الأكاديمي نفسه. لذلك ينبغي إنشاء مسار مؤسساتي واضح للشباب الذين لا يواصلون المسار الدراسي التقليدي، يجمع بين التكوين المهني، والانضباط، والتربية على المواطنة، والخدمة المجتمعية، والتأهيل لسوق العمل. وإذا تم اعتماد التجنيد كأحد مكونات هذا المسار، فينغي أن يقدم باعتباره فرصة ثانية للتكوين والاندماج واكتساب المهارات، لا باعتباره عقوبة على الرسوب أو الانقطاع عن الدراسة.
ربط تمويل التعليم بالنتائج: زيادة الإنفاق ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها. لذلك ينبغي أن يقترن التمويل بقياس النتائج، خصوصاً في ما يتعلق بمستوى التعلمات، ونسب الانقطاع، والحضور، والانتقال بين المستويات، والإدماج المهني، والفوارق بين الجهات، وجودة المؤسسات التعليمية.
إطلاق سياسة وطنية للعدالة المجالية التعليمية: يجب أن يوجه الاستثمار العمومي وفق حجم الخصاص والحاجة الاجتماعية والمجالية، وليس فقط وفق عدد السكان أو قوة الضغط المحلي، بما يضمن توجيه الموارد إلى المناطق والمؤسسات التي تحتاج إليها أكثر.
دمج الصحة في المدرسة: ينبغي أن تصبح المدرسة إحدى نقاط الوقاية الصحية والاجتماعية، من خلال الفحوصات الدورية، والصحة النفسية، والتغذية، والتوعية الصحية، والوقاية من السلوكيات الخطرة، والكشف المبكر عن الإعاقات وصعوبات التعلم.
إعادة بناء سياسة التشغيل انطلاقاً من المدرسة: يجب أن يبدأ الإعداد للحياة المهنية قبل الوصول إلى سوق العمل. فالتعليم ليس مجرد طريق للحصول على شهادة، وإنما وسيلة لاكتساب معارف ومهارات وكفاءات يمكن تحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية. ولهذا ينبغي تعزيز الصلة بين المؤسسات التعليمية وعالم الاقتصاد، وإدخال التكوين العملي والتجارب الميدانية والشراكات مع المقاولات ضمن المسارات التعليمية والتكوينية.
إنشاء منظومة وطنية للتوجيه: لا ينبغي أن يبدأ التوجيه بعد الفشل في البكالوريا أو عند اختيار أول تكوين مهني. بل يجب أن يبدأ في مراحل مبكرة، وأن يساعد التلميذ على التعرف إلى قدراته وميولاته، مع ربط اختياراته التعليمية والتكوينية بحاجات الاقتصاد الجهوي والوطني وتطور المهن.
جعل المسؤولية والمحاسبة جزءاً من الإصلاح: كل برنامج عمومي ينبغي أن تكون له أهداف محددة، ومؤشرات واضحة، وآجال زمنية، ومسؤوليات معلنة، وآليات للتقييم المستقل، مع نشر دوري للنتائج حتى يصبح المواطن قادراً على معرفة ما تحقق فعلاً وما لم يتحقق وأسباب ذلك.
وختاماً: إن الدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بحجم الدعم الذي تقدمه بعد وقوع المشكلة، وإنما بقدرتها على تقليص احتمالات وقوعها من الأصل.
ولهذا فإن الصحة والتعليم والتشغيل يجب أن تُبنى باعتبارها منظومة واحدة: صحة جيدة تهيئ للتعلم، وتعليم جيد يهيئ للعمل، وعمل لائق يعزز الاستقرار والكرامة والاستقلال الاقتصادي.
وعندما تنتقل الدولة من الإنفاق على نتائج الهشاشة إلى الاستثمار في الوقاية منها، فإن السياسة الاجتماعية تتحول من مجرد تكلفة عمومية إلى استثمار طويل الأمد في الإنسان، وفي الإنتاجية، وفي الاستقرار، وفي قدرة الاقتصاد والمجتمع على بناء المستقبل.
في المحصلة، لا ينبغي أن يُختزل إصلاح التعليم في إصلاح مؤسسة أو منهج أو بنية تحتية، كما لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره ورشاً قطاعياً منفصلاً عن بقية أوراش الدولة. فالتعليم هو نقطة التقاء السياسة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهو المجال الذي تتشكل فيه قدرات الإنسان التي تقوم عليها بقية مؤسسات المجتمع والدولة. لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في إنتاج إصلاح جديد يضاف إلى سلسلة الإصلاحات السابقة، بقدر ما يكمن في بناء قدرة مؤسساتية على تحويل السياسات إلى نتائج ملموسة، وعلى الانتقال من تدبير الاختلالات بعد وقوعها إلى استباق أسبابها ومنع إعادة إنتاجها.
ومن هذا المنظور، يصبح إصلاح المدرسة العمومية جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة على أساس الفعالية والإنصاف وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل المواطن، لا المؤسسة وحدها، معياراً لقياس نجاح السياسات العمومية. فحين يحصل الطفل، أينما وُلد ومهما كان موقعه الاجتماعي أو الجغرافي، على تعليم جيد ومسار واضح نحو التأهيل والاندماج، فإن الدولة لا تكون قد أصلحت قطاعاً فحسب، بل تكون قد استثمرت في الإنسان، ووسعت قاعدة تكافؤ الفرص، ورسخت شروط التنمية والاستقرار الاجتماعي.
وهنا تكتمل دلالة القطيعة التي يفرضها التفكير العروي: القطيعة المطلوبة ليست مع الماضي لمجرد القطيعة، ولا مع البرامج السابقة لمجرد استبدالها، وإنما مع منطق التدبير الذي يكتفي بإدارة النتائج دون تغيير شروط إنتاجها. فالمغرب لا يحتاج فقط إلى دولة تُحسن تدبير أزماتها، بل إلى دولة تمتلك القدرة على استشرافها، ومنع إنتاجها، وتقييم سياساتها، وتصحيح مساراتها على أساس النتائج.
وعليه، فإن نجاح الإصلاح لن يُقاس بعدد المخططات التي أُطلقت، ولا بعدد المؤسسات التي أُنشئت، وإنما بقدرة الدولة على تحويل هذه الاختيارات إلى فرص فعلية وحياة أفضل للمواطنين. وإذا استطاع المغرب أن يجعل من المدرسة العمومية فضاءً حقيقياً لتكافؤ الفرص وبناء الكفاءة والثقة، فإنه لن يكون قد أصلح التعليم فقط، بل يكون قد وضع لبنة أساسية في بناء دولة أكثر نجاعة، ومجتمع أكثر تماسكاً، واقتصاد أكثر إنتاجية، وعلاقة أكثر توازناً وثقة بين المواطن والدولة. ومن هنا، فإن إصلاح التعليم ليس نهاية ورش الإصلاح، بل يمكن أن يكون بدايته الأعمق: إصلاح الإنسان، ومن خلاله إصلاح الدولة، ومن خلالهما بناء شروط تنمية أكثر عدلاً واستدامة.






