عادة ومن الناحيةِ النظرية، ما يوحِّد الشعوبَ، بصفة عامة، هي مجموعةٌ من العوامِل التي يمكن تلخيصُها في الثقافة والتاريخ واللغة والدين ومؤسسات مشتَرَكة، وكلُ هذه العوامِل تحتضِنُها رقعةٌ ترابيةٌ معيَّنة. وعلى رأسِ هذه العوامل، يأتي الإحساسُ بالانتماء إلى هذه الرقعة الترابية le sentiment d"appartenance à un territoire.
وهذا الإحساس يمكِن تعزيزُه برموز مادية، أي ملموسة، وفي نفس الوقت، معنوية، أي أن الإحساسَ والعقلَ ينصهران، الأول في الثاني، والثاني في الأول، ليُنتِجا ما يُسمَّى "الفكر العاطفي" la pensée sentimentale. وهذا الانصهار هو الذي يخلق العواطف les sentiments ويتحكَّم في التَّعبير عنها. وخير أمثلةٍ للرموز التي تُعزِّز الانتماء للرقعة الترابية، هما العَلَم le drapeau والنشيد l"hymne national الوطنيين.
الثقافة هي كلٌّ لا يقبل القسمة، إذ تشمل المعارف المُكتَسَبة، إما عن طريق الاحتكاك بواقع الحياة، وإما عن طريق التعليم. كما تشمل الثقافةُ المعتقدات les croyances والأخلاق والعادات والقوانين والفنون… وكل ما يستطيع الإنسانُ، كفاعلٍ في المجتمع، أن يكتَسِبه من قدرات des capacités تنفعه وتنفع الآخرين، علماً أن الثقافة هي التي تُملي على الإنسان سلوكَه وتصرُّفاته. وبعبارة أخرى، الثقافة هي الهوية التي تسكن في النفس البشرية.
أما التاريخ، فهو أهم عوامل الانتماء للبلد، لماذا؟ لأنه لا يفارق المجتمعات. إنه يصفها في كل آنٍ وحينٍ. يصف سموَّها، ويصف أمجادَها وحضارتَها وتقدمها وازدِهارَها… وبصفة عامة، يصف كل ما من شأنِه أن يجعلَ المجتمعات تفتخر بماضيها وتصنع مستقبلها.
أما اللغة، فهي وسيلة التواصل بين أعضاء المجتمعات. وهي، كذلك، الوسيلة التي تقوي الانتماءَ للبلد (الوطن)، وتقوي الهوية l"identité. وهي التي، بواسطتها، تُصنَع الثقافة، بجميع أبعادِها وتُصنَع الحضارةَ والتاريخَ. وبها تُكتَسَب المعارف، وتُتوارث بين الأجيال، وبها تُمارس السلطة…
أما الدين، سماوياً كان أم وضعيا، فهو الإسمنتُ الذي يُقوِّي الانتماء للوطن (للبلَد). وهو عبارة عن معتقدات des croyances وتعاليم des dogmes وطقوس des rites ومُمارسات des pratiques، التي تُمليها على الناس الكُتبُ السماوية أو الوضعية. وهو عبارة عن استقرار نفسي une paix intérieure تُحِسُّ به هذه النفسُ البشرية عند أدائها للطقوس والمُمارسات التي لها علاقة بالدين كمعتقد روحي la religion comme une croyance spirituelle. وإن شئنا، الدين هو الذي يعطي للحياة معنى روحياً لا يُحسُّ به إلا المُمارِسُ celui qui pratique la religion.
أما المؤسسات المشتركة les institutions collectives أو les institutions communes، فهي الأخرى تقوي الشعورَ بالانتماء للرقعة الأرضية. لماذا؟ لأنها تُنظِّم حياة الناس وتقدِّم لهم خدمات، هم في حاجة ماسة لها. بل كل واحد من الناس يحسُّ بأنه يُساهم في بنائها، لتكون عند حسن ظنِّه وتبقى خدماتُها في المستوى المطلوب. فعندما تقدِّم هذه المؤسسات المشتركة خدماتٍ للناس، كالخدمات الصحية والتعليمية والأمنية، فإن كل شخصٍ ومن معه، في نفس الرقعة التُّرابية، يحسون بأنهم في أحسن حال بنَيلهم بما لهم فيه حق. ولهذا، فكلما اقتربت الخدمات من تطلُّعات وطموحات الناس، كلما زاد الانتماء للرقعة الترابية اتِّساعا.
لكن، السؤال الذي يفرِضه سياق المقالة، هو الآتي : "إذا كانت هذه العوامل، أي الثقافة والتاريخ واللغة والدين والمُؤسسأت المشتركة، تُعزز انتماءَ المغاربة للوطن، وتُقوِّي الهويةَ، فهل، فعلا، تُوحِّد هؤلاء المغاربة؟"
جواباً على هذا السؤال، هو لا، ثم لا، ولا شيءَ غير لا. لماذا؟ يكفي الرجوع إلى الواقع للتأكُّدِ من أن هذه العوامل، إن كان، بإمكانها تعزيز الانتماء للرقعة الترابية، فهي لا توحد المغاربة. الثقافة يختلِف معناها من فئةٍ من الناس إلى أخرى. اللغة تخلق صراعا un conflit بين العربية والأمازيغية. والتاريخ، هناك مَن يراه بعين مشرقية، وهناك مَن يراه بعين مغربية صِرفة، وهناك مَن يراه بعينٍ اجنبية. والدين، قسَّمه الأئمة الأربعة إلى مذاهب. فإن كان الإسلام هو الدين المهيمِن في المجتمع المغربي، فهناك من الناس (المغاربة) مَن هم مسيحيون وشِيعيون ويهوديون وإباضيون ولادينيون… أما المؤسسات المشتركة، فالفساد ينخُرُها حتى النخاع، وبالتالي، لا يستفيد من خدماتِها إلا المحظوظون les chanceux. ولهذا، كل مَن يقول بأن العواملَ المُشارَ إليها أعلاه توحِّد المغاربة، فهو لا يعرف الواقع وما يروج فيه من اختلافات. لماذا؟
لأن تطلُّعات وطموحات الشعبَ، لا نهايةَ لها، علماً أن هذا الشعبَ نصَّبَ ويُنصِّب نفسَه كمُعارضٍ للحكومة comme un opposant au gouvernement التي تدبِّر الشأنَ العام. والشعبُ أفرادُه ليس لهم نفس المصالح، أي ليس لهم نفس التطلُّعات ونفس الطموحات. إذن، حتى السياسة، كما هي مُمارَسة اليوم، لاتوحِّد المغاربة، إلا إذا كرست جُهدَها كامِلا لخدمة الصالح العام. حينها، تصبِح عنصُرَ توحيد المغارِبة وليس عنصرَ تفرِقة. الآن هي، فقط وحصرياً، عامِل تفرِقة، وليست، على الإطلاق، حالِياً، عامل توحيد المغارٍبة. وهي أصلاً، عامل تفرقة لأن كل حزبٍ سياسي يرى الواقعَ بنظَّراتِه المبدئية والإيديولوجية. ولا داعيَ للقول أن هذا التوحيدَ شيءٌ مستحيل، في ظل الحكومات المُتعاقِبة على تدبير الشأن العام.
ويبقى السؤالُ الذي هو عنوان هذه المقالة، مطروحا، أي : "ما هو الشيءُ الذي يستطيع أن يوحِّدَ المغاربة؟".
بشهادة ما رأيناه وما لاحظنا وما رآه وما لاحظه المغاربة كلهم، إن الرياضة، وبالضبط، كرة القدم le football، هي التي استطاعت وتستطيع أن توحِّدَ المغاربة، ولو لِلحظةٍ قصيرة. استطاعت كرةُ القدم، وهي رياضة من بين أنواع رياضية كثيرة من الرياضات، عبر افتخارِهم ببلدِهم حاملين رمزا من رموز الوطن ومُردِّدين نشًيدَه الوطني، وهو الشيء الذي لم يحصل، عل الإطلاق، إلا بعد رجوع محمد الخامس من المنفى وحصول المغرب على الاستقلال.
خارجَ هذه اللحظة الفريدة من نوعِها، لم تُتَحْ الفرصة للمغاربة للافتخار ببلدهم، إلا في فُرصٍ نادرة تأتي، مبادرةً، من ملك البلاد، محمد السادس. "فماذا تعني هذه النُّدرة في الفرَص التي تُتيح للشعب المغربي أن يفتخِرَ ببلده، ويرفع رأسَه عالِياً في السماء، مُشيداً بهذا الافتخار؟"
هذه النُّدرة تعني أن السياسيين وأحزابَهم، الذين تعاقبوا على تدبير الشأن العام، في مختلف الحكومات، لم يستطيعوا، ولو لهُنبهةٍ قصيرة، أن يوفِّروا للمغاربة فرصةً أو فُرصاً تُتِيح لهم الافتخارَ ببلدِهم.
من بين هذه الفُرصِ، أذكر، مثلا، أن تسهر الأحزاب السياسية، المكلفة، عبر الانتخابات التَّشريعيةِ، على توزيع الثروة التي ينتِجها اقتصادُ البلاد، توزيعا عادلا ومُنصِفا، أن تتصدَّى للفساد وتُخفِّف من عرقلته للتنمية، أن يواجهوا الفقرَ والأميةَ بصرامة ولغة القانون…
لو حقَّقت الأحزاب السياسية، المسؤولة عن تدبير الشأن العام، هذه التَّطلعات التي استمرَّت بدون حلول، طيلةَ ما يُناهز 70 سنة، لكانت هذه الأحزاب السياسية أولى، هي الأولى، بأن يفتخِرَ بها المواطنون (رجالاً ونساءً) يقولون : ،"لدينا أحزابٌ سياسيةٌ وطنية patriotes ومُواطنة citoyens".
لكن هذا النوع من الأحزاب السياسية بدأ ينقرض منذ بداية الستِّينيات. واليوم، كل أحزابنا السياسية، وعددُها يفوق 30 حزبا، انتِهازية، وخصوصا، تلك التي كانت تُنْعَتُ ب"الأحزاب الوطنية" نظرا لمُساهمتِها في مكافحة الاستعمار. بل إن بعضَعا لا يظهر إلا في المناسبات الانتخابية. أما تأثيرها على المشهد السياسي، فهو غير موجود.
في ختام هذه المقالة، أقول إن الهدفَ الأساسي الذي تسعى الأحزاب السياسية تحقيقَه، في كل لحظةٍ وحينٍ من تواجدِها في المشهد السياسي، حالياً، هو الوصول إلى كراسي السلطة، بطُرُق مشروعة وغير مشروعة. بطرق مشروعة بالاعتماد، أساساً، على القاسم الانتخابي الذي يسهِّل الوصولَ إلى هذه الكراسي، ولو بأصوات قليلة، علما أن كل الأحزاب السياسية، صادقت عليه إلا "حزب العدالة والتَّنمية" الذي رفضه لأنه يحتسِب عددَ المسجَّلين في اللوائح الانتخابية وليس عددَ المُصوِّتين. وبالتالي، فإن حزب العدالة والتَّنمية اعتبره غير ديمقراطي. أما الطرق غير المشروعة، فحدِّث ولا حرج، وعلى رأسها، يأتي ما أصطُلِحَ عليه ب"التِّرحال السياسي" la transhumance politique، أي أن كل عضوٍ أو قيادي في حزب سياسي ينتقل من حزبٍ إلى آخرَ، بحثا عن الحزب الذي تكون حُظوظُه قوية في تصدُّرِ الانتخابات التَّشريعية.
هذا هو حالُ أحزابِنا السياسية التي نسيت وتنسى ما عليها من واجبات دستورية، وتفرَّغت لشيءٍ واحدٍ، وهو احتلالُ كراسي السلطة.






