عن الفوضى السياسية والأزمات الداخلية في إسبانيا، وعن إجبار بيدرو سانشيز على حل البرلمان وإعلانه عن انتخابات برلمانية سابقة لأوانها، وعن مؤازرة الملك فيليبي السادس للحزب الشعبي من أجل الإطاحة بالاشتراكيين بإعلان زبارته لسبتة ومليلية المحتلتين
بيدرو سانشيز رئيس وزراء إسبانيا، لم تعد لديه الأغلبية داخل البرلمان الذي رفض المصادقة على مشروعي قانونين تقدمت بهما الحكومة لاحتواء أزمة السكن، على إثر تصاعد الغضب الشعبي عقب إخلاء امرأة تبلغ من الغمر 87 عاماً من شقتها التي عاشت فيها لعقود بعد ارتفاع إيجارها بشكل حاد.
بعد يوم واحد من رفض مشروعي القانونين المتعلقين بالسكن، خرجت يوم السيت الماضي 3 أكتوبر الجاري، حشود غفيرة في مدريد، وفي مدن أخرى عدبدة، قيل بأنها تجاوزت مليون متظاهر، تطالب بخفض إيجارات السكن بنسبة خمسين في المئة، وإقرار عقود إيجار غير محددة المدة، ووقف عمليات الإخلاء القسري للفئات الهشة، وهدد منظمو المسيرة الاحتجاجية بالدعوة إلى إضراب عام لمواجهة جشع السوق العقاري.
مجلس النواب (الغرفة السفلى) كان يعتمد فيه بيدرو سانشيز على تحالف هش، يضم اليسار والأحزاب الإقليمية الكاتالونية والباسكية، لكن هذا التحالف انهار تماما بعد قيام حزب خونتس (Junts) الكاتالوني بالانفصال والتصويت مع اليمين لإسقاط مشروعي قانون الإسكان.
أما مجلس الشيوخ الإسباني (الغرفة العليا) فهو يقع بالكامل تحت سيطرة الأغلبية المطلقة للمعارضة اليمينية التي تتكون من الحزب الشعبي وحزب فوكس.
مجلس الشيوخ الإسباني هو الآخر كان يوم الثلاثاء الماضي 29 سبتمبر 2026 قد رفض المصادقة على معاهدة الصداقة والتعاون بين إسبانيا وفرنسا، في تصويت تزامن مع الزيارة الرسمية التي كان يجريها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاصمة مدريد، وهو التصويت الذي أحرج وأحبط بيدرو سانشيز أمام إيمانويل ماكرون الذي كان يأمل أن تتم المصادقة على المعاهدة ومهد لذلك بتصريحات غازل فيها إسبانيا بدعمها في قضية سبتة ومليلية المحتلتين اللتين اعتبرهما داخل الحدود الأوروبية، لكن رغم تصريحاته، فقد رفض المصادقة المصادقة في مجلس الشيوخ 142 عضوا بقيادة الحزب الشعبي اليميني المعارض وحزب فوكس، في حين صوت لصالحها 106 أعضاء، وامتنع عضو واحد.
اليوم، الاثنين 5 أكتوبر 2026 أعلن بيدرو سانشيز مضطرا عن حل البرلمان وعن تنظيم انتخابات برلمانية سابقة لأوانها يوم 29 نوفمبر المقبل.
كل المؤشرات تسير في اتجاه خسارة الحزب الاشتراكي العمالي الذي يقوده بيدرو سانشيز لهذه الانتخابات وصعود الحزب الشعبي اليميني والحزب اليميني المتطرف فوكس، وهما حزبان، يبدو أنهما مدعومان اليوم من الملك فيليبي السادس رئيس الدولة الإسبانية الذي تم الإعلان عن أنه سيزور المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر 2026 لأول مرة منذ أن اعتلى العرش، وهي زيارة تم الإعلان عن أن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز لم يرافق الملك والملكة فيها.
توقيت وإطار زيارة ملك إسبانيا للمدينتين المغربيتين المحتلتين هنا في مصلحة لحزب الشعبي اليميني المعارض ويمنحانه مكسبا سياسيا وانتخابيا كبيرا، بحكم أن المدينتين تحت قيادة الحزب الشعبي، حيث يرأس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس ويرأس حكومة مليلية خوان خوسيه إمبرودا، وهما معا من الحزب الشعبي، واستقبال الملك في معاقلهم الانتخابية، في هذا التوقيت يمنح قادة الحزب محليا ووطنيا دفعة معنوية هائلة وصورا تذكارية ستُستغل على أنها دليل مزعوم على الوطنية والدفاع عن سيادة إسبانيا، في سياق سياسي يطبعه التوتر ويتهم فيه الحزب الشعبي رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بالضعف والمهادنة في التعامل مع المغرب، ويضغط باستمرار عليه من أجل اتخاذ خطوات ضد المغرب بعد أزمة تدفق المهاجرين غير النظاميين في نهاية بوليوز الماضي.
لذلك، فإن مجيء الملك الآن يعتبره الحزب الشعبي استجابة ملكية لرؤيته السياسية، وتحقيقا لمطالبه التي طالما رفضها سانشيز أو تردد فيها، وهو توقيت انتخابي ممتاز بالنسبة إليه، قبل أسابيع من الاقتراع، وزيارة الملك للمدبنتين المحتلتين المقررة يومي 13 و14 أكتوبر، ستكون متزامنة مع حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة في 29 نوفمبر، مما يعني أنها ستتم في قلب الأجواء الانتخابية، وستسلط الضوء على ملف السيادة والهجرة، وهي ملفات يبرع الحزب الشعبي في اللعب عليها ويستخدمها لإحراج خصومه الاشتراكيبن واتهامهم بالتهاون في الدفاع عن السيادة الإسبانية، وإن إعلان القصر الملكي الإسباني عن عدم مرافقة بيدرو سانشيز للملك في هذه الرحلة التي يسمونها رحلة تاريخية يترك الساحة السياسية والإعلامية بالكامل لقادة الحزب الشعبي في المدينتين ليكونوا هم الواجهة المستقبلة للتاج الإسباني، مما يظهر سانشيز في موقع المعزول الخائف من المغرب، بينما يظهر الحزب الشعبي في مظهر الحامي الفعلي لثوابت الدولة الإسبانية.
وهذا ما كان.






