فن وإعلام

سانشيز.. عودة من الرماد أم بداية النهاية؟

عبدالحميد البجوقي (روائي وصحفي وجمعوي وسياسي مغربي)
يخوض رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز الانتخابات المقبلة باعتبارها المعركة الأكثر حسماً في مسيرته السياسية، بعدما وجد نفسه أمام ضغوط سياسية وقضائية وانتخابية غير مسبوقة. الرجل الذي اشتهر بقدرته على العودة من الأزمات، شبهه البعض بطائر الفينيق الذي يعود من رماده، يواجه هذه المرة احتمالاً جدياً بأن تكون الانتخابات نهاية عهده السياسي، لا مجرد جولة جديدة من جولات النجاة.


جاء قرار الدعوة إلى الانتخابات قبل الموعد الذي كان سانشيز يطمح إليه، إذ كان يريد الاستمرار في الحكم حتى 2027. لكنه اختار التقدم بالانتخابات مستفيداً من ظرف سياسي واجتماعي جديد، يتمثل خصوصاً في تصاعد الاحتجاجات حول أزمة السكن، التي أعادت تعبئة قطاعات من اليسار وأتاحت للاشتراكيين فرصة لاستعادة المبادرة بعد فترة طويلة من التراجع.


يأتي هذا القرار في لحظة شديدة الصعوبة بالنسبة لسانشيز وحكومته. فقد تراكمت الملفات القضائية والسياسية، وتعرض الحزب الاشتراكي لضربات قوية، فيما أصبح المشهد الانتخابي أكثر سوءاً بالنسبة إليه. كما أن ملفات الفساد والهجوم السياسي والقضائي على محيطه وعائلته ترك آثاراً شخصية وسياسية عميقة، وجعله أكثر عزلة مما كان عليه في مراحل سابقة.


مع ذلك، فإن مسيرة سانشيز السياسية تقوم على مفارقة أساسية، كلما بدا أنه في نهايته، تمكن من العودة.


واجه الرجل ثلاثة زعماء للحزب الشعبي، وتجاوز صراعات داخلية قاسية داخل الحزب الاشتراكي، ووصل إلى رئاسة الحكومة عبر ملتمس سحب الثقة، ثم قاد أول حكومة ائتلافية يسارية في إسبانيا. كما تمكن من البقاء في السلطة رغم هشاشة أغلبيته البرلمانية، ومن إدارة ملفات شديدة الحساسية، وعلى رأسها الأزمة الكطالونية والعفو عن زعماء الانفصال في كاطالونيا.


هذه التجربة صنعت منه صورة السياسي القادر على المخاطرة والعودة في اللحظة الأخيرة. ولذلك لا يزال خصومه يخشونه، كما أن جزءاً من اليسار يراهن على قدرته على تكرار سيناريو انتخابات 2023، عندما بدا أن الاشتراكيين متجهون إلى الهزيمة، قبل أن يتمكن سانشيز من تعبئة ناخبي اليسار وتحويل النتيجة إلى فرصة جديدة لتشكيل حكومة عمَّرت ما يزيد عن ثلاث سنوات.


لكن الظروف هذه المرة أكثر تعقيداً. سانشيز لا يواجه فقط خصماً يمينياً قوياً، بل يخوض معركة داخلية على مستقبل مشروع اليسار نفسه. نجاحه سيعني استمرار الحكومة التقدمية، بينما خسارته قد تفتح مباشرة معركة الخلافة داخل الحزب الاشتراكي، وتنهي مرحلة سياسية استمرت عِقداً من الزمن.


ولهذا تبدو أزمة السكن بالنسبة إلى سانشيز أكثر من مجرد قضية اجتماعية، إنها نافذة سياسية أخيرة. فإذا تمكن من تحويل غضب الشباب والمستأجرين والطبقات المتضررة من ارتفاع أسعار السكن إلى تعبئة انتخابية لصالح اليسار، فقد ينجح في تكرار إحدى مفاجآته السياسية. أما إذا عجز عن ذلك، فإن كل الأزمات المتراكمة قد تتحول إلى حكم نهائي على تجربته.


في النهاية، يدخل سانشيز هذه الانتخابات بكل ما راكمه من انتصارات وهزائم، ومن قدرة على النجاة. لكن الرهان هذه المرة مختلف، إنها ليست معركة أخرى للعودة، بل معركة لتفادي النهاية.


Final del formulario