أعاد قرار رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز تقديم موعد الانتخابات التشريعية إلى 29 نوفمبر المشهد السياسي الإسباني إلى قلب مواجهة انتخابية مفتوحة. وجاء القرار بعد إسقاط البرلمان مرسومين حكوميين يتعلقان بالسكن، في تصويت كشف هشاشة الأغلبية التي يستند إليها رئيس الحكومة، وعجزها عن ضمان تمرير إجراءات أساسية. بذلك تحوّل الخلاف حول المرسومين إلى لحظة فاصلة دفعت سانشيز إلى الاحتكام إلى الناخبين، طلباً لتفويض أوسع يتيح له مواصلة برنامجه التقدمي.
وفي خطابه، سعى سانشيز إلى الدفاع عن حصيلة حكومته، مستحضراً نمو الاقتصاد، وتوسيع المنح الدراسية والخدمات الصحية والاجتماعية، وتعزيز الاعتماد على الطاقات المتجددة. كما حمّل خصومه مسؤولية عرقلة السياسات الحكومية، ووجّه انتقاداً مباشراً إلى حكومة إيزابيل دياز أيوسو في مدريد، على خلفية ما وصفه بالخصخصة وتقديم الامتيازات. وبهذا الخطاب، يحاول رئيس الحكومة نقل النقاش من تعثره البرلماني إلى المفاضلة بين رؤيتين: استمرار السياسات الاجتماعية التي يدافع عنها، أو وصول اليمين إلى السلطة.
لكن قرار الدعوة إلى الانتخابات لا ينفصل عن تراكم الأزمات التي أحاطت بالحكومة خلال الولاية. فقد واجه سانشيز خلافات سياسية متكررة، وتراجعاً في الثقة، وقضايا فساد طالت شخصيات من محيطه. كما أن اعتماده على تحالفات برلمانية متباينة جعل استقرار حكومته مرهوناً بتفاهمات قابلة للاهتزاز. وتعمّق هذا المأزق مع تراجع دعم حزب «جونتس»، الذي شكّل أحد مفاتيح الأغلبية، ومع انتهاء الولاية من دون أن تتمكن الحكومة من إقرار موازنة جديدة طوال ثلاث سنوات.
في هذا السياق، تبدو أزمة السكن فرصة انتخابية للحزب الاشتراكي، لا عبئاً سياسياً فحسب. فالموضوع يحظى باهتمام واسع لدى شرائح مختلفة من الناخبين، وتشير استطلاعات الرأي إلى تأييد إجراءات مثل ضبط الإيجارات حتى بين بعض ناخبي اليمين. لذلك يُنتظر أن يضع الاشتراكيون السكن في صلب حملتهم، أملاً في تعبئة الناخبين التقدميين الذين أصابهم الإحباط من اضطراب الولاية، وفي إعادة تقديم الانتخابات باعتبارها اختياراً بين مشروعين اجتماعيين وسياسيين.
غير أن الطريق أمام سانشيز محفوف بالصعوبات. فاستطلاعات كثيرة تتوقع تقدّم الحزب الشعبي وفوكس، وربما حصولهما مجتمعين على أكثر من نصف الأصوات. كما يواجه رئيس الحكومة ضعف القوى الواقعة إلى يسار الحزب الاشتراكي، وهي القوى التي كان تماسكها مؤثراً في منع فوز اليمين في انتخابات 2023. ويزيد احتمال انقسام هذا المعسكر من صعوبة مهمة سانشيز، إذ إن خسارة أصواته قد ترجّح كفة خصومه حتى لو احتفظ الحزب الاشتراكي بقاعدة انتخابية معتبرة.
على الضفة الأخرى، استقبل الحزب الشعبي الدعوة إلى الانتخابات بعبارة «أخيراً!»، التي تحولت إلى عنوان لمزاجه السياسي. فالحزب يرى في تقديم موعد الاقتراع فرصة لإنهاء سنوات حكم سانشيز الثماني، لكنه يتعامل بحذر مع التوقعات، مستحضراً مفاجأة انتخابات 2023، حين لم تتحول التقديرات السابقة إلى انتصار واضح لليمين. ومن هنا، لا تكفيه أجواء التفاؤل؛ بل يسعى إلى تعبئة ناخبيه ومنعهم من الركون إلى نتائج استطلاعات الرأي.
واستثمر الحزب عبارة «أخيراً» في مقطع مصوّر يظهر أشخاصاً يتقدمون ويفتحون الأبواب، على خلفية موسيقى «نشيد الفرح» لبيتهوفن، مصحوباً بوعود بالإنصاف وإعادة بناء البلاد وهدم الجدران. أما ألبرتو نونييث فيخو، زعيم الحزب، فقدم الانتخابات بوصفها مفترقاً بين مشروع يركز على طموح سانشيز الشخصي ومشروع يضع البلاد في المقام الأول، وبين التراجع والازدهار، أو الفساد والتغيير. وتعهد بألا يتردد في تنفيذ «تغيير عميق»، داعياً إلى ما سماه «إعادة بناء وطنية».
وتكشف لغة فيخو عن محاولة لرفع الانتخابات فوق حدود التنافس الحزبي المعتاد، وتصويرها على أنها معركة مصيرية تتصل بمستقبل الدولة والديمقراطية. وهو يصف التحديات المقبلة بأنها تضاهي تحديات بداية المرحلة الانتقالية قبل خمسين عاماً، ويقول إن سانشيز دعا إلى الانتخابات بدافع الخوف. أما إيزابيل دياز أيوسو، فقد اختارت خطاباً أكثر حدة، متهمة رئيس الحكومة بالكذب وبمحاولة الظهور في صورة الضحية، ومعتبرة أن إسبانيا تعيش صراعاً بين «الشيوعية والحرية». وهذه اتهامات ومواقف انتخابية تعكس استراتيجية اليمين في تعبئة قواعده، لا مجرد توصيف محايد لأداء الحكومة.
وهكذا، تدخل إسبانيا حملة انتخابية تتواجه فيها روايتان متباينتان. سانشيز يراهن على عرض حصيلة حكومته، وعلى جعل السكن والخدمات الاجتماعية محوراً للتنافس، طالباً من الناخبين منحه أغلبية تقدمية أوسع. وفيخو يسعى إلى تحويل ضعف الحكومة وأزماتها إلى دعوة شاملة للتغيير، مستفيداً من تقدم اليمين في استطلاعات الرأي. وبين الرهانين، سيكون الاختبار الحاسم هو قدرة كل طرف على تعبئة ناخبيه وإقناع المترددين، في انتخابات جاءت نتيجة غياب أغلبية مستقرة، لكنها ستقرر أيضاً ما إذا كان هذا الغياب سيقود إلى تجديد تجربة الحكم أم إلى انتقال السلطة إلى اليمين.






