إن خطاب افتتاح البرلمان هذه السنة أكد فيه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده على الافتخار بالهوية المغربية التي تقودها ملكية مواطنة ومسؤولة تعتبر من أقدم الملكيات في التاريخ، ملكية تجمع بين الشأن الديني والسياسي، ملكية تصون الحقل الديني باعتبارها تترأس مؤسسة إمارة المؤمنين، ثم تقود الحقل السياسي، على اعتبار أن جلالة الملك أسماه الله وأعز أمره هو رئيس الدولة المغربية.
إن جلالة الملك حفظه الله ورعاه في خطاب افتتاح البرلمان أكد على الأوراش الكبرى التي قادها في العهد الجديد والتي جعلت من المغرب قوة إقليمية صاعدة، ثم شدد على مواصلة تنزيل المشاريع وبانخراط القطاع الخاص في هذا المجال على اعتبار أن اليد الواحدة لا تصفق، وبالتالي فالتنمية هم مشترك، وقد سبق لجلالته شافاه الله وعافاه أن دعا القطاع الخاص إلى تغيير العقليات، والتركيز على دعم المشاريع ودعم الشباب باعتبارهم عماد الأمة من خلال خلق فرص الشغل التي تساهم في تحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية، وهو نفس المعطى الذي ذكره جلالته في خطاب افتتاح البرلمان هذه السنة، فقضايا الشباب دائما كانت محور اهتمام المؤسسة الملكية ولعل جعل عيد الشباب عيد وطني خير مثال على ذلك، دون أن ننسى الإهتمام الدستوري بهم بالإضافة إلى المشاريع التنموية التي استهدفتهم.
من خلال خطاب افتتاح البرلمان دعا جلالة الملك نصره الله وأيده إلى الإهتمام بالأمن المائي، الطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الإصطناعي، وتبني مقاربة استباقية في إطلاق سياسات عمومية تستهدف تكوين مخزون استراتيجي وتأمين توريد المواد الأساسية، فالمؤسسة الملكية دائما لديها رؤية استشرافية حكيمة تنظر إلى المستقبل بعين الأبوة والمسؤولية التاريخية.
ما يتميز به الخطاب الملكي السامي في العهد الجديد أنه قليل من ناحية المدة الزمنية لكنه يحمل الحمولة والوزن والدلالات القوية، حيث قام بتشخيص الوضع التنموي القائم بكل موضوعية، وأكد أن المشاريع التنموية لازالت تواجه معيقات تؤثر على منحى العدالة الإجتماعية والمجالية، أهمها تنزيل ورش الجهوية المتقدمة وميثاق اللاتمركز الإداري، فقد سبق لجلالته حفظه الله ورعاه في خطاب العرش المجيد سنة 2017 أن أكد بأن اختياراتنا التنموية تبقى عموما صائبة إلا أن المشكل يكمن في العقليات التي لم تتغير وفي القدرة على التنفيذ والإبداع، فكما هو معلوم أن المغرب قطع أشواطا كبيرة في مسار اللامركزية واللاتمركز، حيث انتقلنا من الجهوية الناشئة سنة 1997 إلى الجهوية التنموية، التي جاءت تنزيلا لمخرجات اللجنة الإستشارية سنة 2010، وانتقلنا من التركيز على الإقليم أو الجماعة في التنمية إلى الجهة وأصبحت قاطرة للتنمية وذلك الفضاء المناسب والملائم لتنزيل السياسة العامة للدولة وتلاقي وتجانس السياسات العمومية الترابية، وبالتالي أصبحنا أمام جهات ذات استقلال إداري ومالي أكثر استقلالية في اتخاذ القرارات، من خلال تخويلها صلاحيات ذاتية ومشتركة ومنقولة بناء على مبدأ التفريع المنصوص عليه في الفصل 140 من دستور 2011، كما أن الأمر يتطلب التنزيل الأمثل للمرسوم 2.17.618 بمثابة الميثاق الوطني للاتمركز الإداري.
إن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان تطرق للأزمات على الصعيد الدولي ومسألة الشراكات مع الدول، فالمغرب دولة كاملة السيادة ولا يخضع لمنطق الإملاءات ويحظى بوزن إقليمي ودولي، نظرا لما يتمتع به من مصداقية وأنه شريك مسؤول وموثوق، فالمغرب بفضل الدبلوماسية الواقعية أصبح يحتل مكانة الريادة الإقليمية، وبخصوص مسألة الهجرة واللجوء، فقد سبق لجلالة الملك حفظه الله ورعاه أن أطلق الإستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء سنة 2013، وتم إطلاق المرصد الوطني للهجرة، وتوجد بوزارة الداخلية مديرية الهجرة ومراقبة الحدود، دون أن ننسى أنه تم إحداث المرصد الإفريقي للهجرة تابع لمنظمة الاتحاد الإفريقي ويوجد مقره بالرباط، وقد رأى النور هذا المرصد بفضل مبادرة واقتراح من جلالة الملك حفظه الله ورعاه الذي عينته قمم الاتحاد الإفريقي رائدا لإفريقيا في مجال الهجرة، وبالتالي فموضوع الهجرة لا يمكن أن يخضع لمنطق المزايدات أو الابتزازات، ولا يحق لأحد أن يعطي دروسا للمغرب، فالمغرب يعتبر رائدا في مجال الدبلوماسية الإنسانية، والتاريخ يشهد على ذلك.
إن المؤسستين التشريعية والتنفيذية المقبلتين لهما مسؤولية أمام الله والوطن والملك على تحصين المكاسب المحققة، مواصلة تنزيل الأوراش الكبرى ومواجهة التحديات.






