رأي

عراقي حسيني نورالدين: الحكومة الجديدة بين استعادة ثقة المواطن ورهانات الإصلاح الحقيقي



بعد الاستحقاقات الانتخابية التي عرفتها بلادنا خلال شهر شتنبر، ومع تعيين الحكومة الجديدة، تتجدد آمال المغاربة في مرحلة سياسية مختلفة، عنوانها الأساسي استعادة الثقة، والجرأة في اتخاذ القرار، والانتقال من منطق الوعود والخطابات إلى منطق الإنجاز والنتائج الملموسة.


وفي اعتقادي، فإن نجاح هذه الحكومة لن يُقاس بحجم الشعارات التي ترفعها، وإنما بمدى قدرتها على معالجة خمس أولويات أساسية أصبحت تشكل جوهر انشغالات المواطن المغربي.


أولاً: استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي ومؤسسات الدولة.


لعل أخطر ما تواجهه بلادنا اليوم هو تراجع ثقة المواطن في الأحزاب السياسية والمنتخبين والمؤسسات التمثيلية. وهذه الثقة لن تعود بمجرد الخطابات والتصريحات، بل تحتاج إلى قرارات قوية وشجاعة، تعيد للدولة هيبتها، وتكرس الانضباط والمسؤولية في تدبير الشأن العام، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتضع حداً لكل أشكال التسيب وسوء التدبير.


المغاربة اليوم يريدون أن يشعروا بوجود حكومة تحكم وتقرر وتتحمل مسؤولياتها، لا حكومة تكتفي بتبرير الإخفاقات.


ثانياً: إعلان الحرب على البطالة، وخاصة بطالة الشباب.


لا يمكن الحديث عن مستقبل بلد وشبابه يعاني من غياب فرص الشغل. لذلك، يجب أن تتحول محاربة البطالة إلى ورش وطني استعجالي، تُعبَّأ له الإمكانيات المالية والتشريعية والإدارية اللازمة.


نحتاج إلى قرارات استثنائية تشجع الشباب على خلق مقاولاتهم الخاصة، من خلال قروض بدون فوائد، وتسهيلات ضريبية، وتبسيط المساطر الإدارية، ومواكبة حقيقية للمقاولات الناشئة، إلى جانب تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار والتشغيل.


إن أفضل سياسة اجتماعية هي تلك التي تمنح الشاب فرصة للعمل والإنتاج وتحقيق استقلاليته وكرامته.


ثالثاً: السكن اللائق حق وأولوية اجتماعية.


أصبح امتلاك سكن بالنسبة إلى فئات واسعة من الشباب والأسر محدودة الدخل حلماً يصعب تحقيقه. ومن هنا، ينبغي للحكومة أن تضع سياسة سكنية أكثر جرأة، تقوم على تسهيل الولوج إلى الملكية، وتوفير التمويل بشروط ميسرة، وتشجيع بناء مساكن بأثمنة تتناسب مع القدرة الشرائية الحقيقية للمواطنين.


فالسكن ليس مجرد أربعة جدران، بل هو أساس الاستقرار الأسري والاجتماعي، وشرط من شروط بناء مستقبل مطمئن للأجيال القادمة.


رابعاً: ثورة حقيقية في منظومة التعليم.


لم يعد إصلاح التعليم يحتمل المزيد من الحلول الترقيعية. نحن بحاجة إلى ثورة فكرية وتربوية حقيقية، تنظر إلى المدرسة المغربية بعين جديدة، وتعيد النظر في المناهج وطرق التدريس وتكوين الأساتذة، وتفتح المجال أمام الابتكار والتكنولوجيا وربط التعليم بحاجيات الاقتصاد وسوق الشغل.


نريد مدرسة عمومية تستعيد مكانتها باعتبارها مصعداً اجتماعياً حقيقياً، تتيح لأبناء جميع الفئات الاجتماعية فرص النجاح نفسها، وتجعل من الكفاءة والاجتهاد والاستحقاق أساساً للارتقاء الاجتماعي.


إن الاستثمار في التعليم ليس عبئاً على ميزانية الدولة، بل هو أعظم استثمار في مستقبل الوطن.


خامساً: حماية القدرة الشرائية والحد من غلاء المعيشة.


لا يمكن لأي سياسة حكومية أن تنجح إذا لم يشعر المواطن بتحسن ملموس في حياته اليومية.


وفي هذا الإطار، أعتبر أن مراجعة أسعار المحروقات والبحث عن آليات فعالة لتخفيضها يجب أن يشكلا أولوية اقتصادية واجتماعية، لأن تكلفة الطاقة والنقل تنعكس بشكل مباشر على أسعار المواد والخدمات، وبالتالي على مستوى التضخم والقدرة الشرائية للأسر.


ويمكن للحكومة أن تدرس حلولاً جريئة، سواء على مستوى الضرائب المفروضة على المحروقات، أو تعزيز المنافسة والشفافية في السوق، أو تحسين آليات مراقبة الأسعار وهوامش الربح، بما يخفف العبء عن المواطنين ويحافظ على التوازنات المالية للدولة.


كلمة أخيرة


إن المغاربة لا ينتظرون من الحكومة الجديدة المعجزات، ولا يطالبون بحل جميع المشاكل بين عشية وضحاها. ما ينتظرونه هو أن يشعروا بوجود إرادة سياسية حقيقية، وشجاعة في اتخاذ القرارات، ووضوح في تحديد الأولويات، وصدق في التعامل مع انتظاراتهم.


نحن بحاجة إلى حكومة تعيد الأمل للشباب، والكرامة للأسر، والثقة للمواطن، والاعتبار للمدرسة العمومية، وهيبة الدولة إلى تدبير الشأن العام.


فالتحدي الأكبر أمام الحكومة الجديدة ليس فقط تدبير السنوات المقبلة، بل إعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والسياسة.


وإذا نجحت في ذلك، فإنها لن تكون قد حققت مجرد نجاح حكومي عابر، بل ستكون قد ساهمت في فتح صفحة جديدة في المسار السياسي والاجتماعي لبلادنا.


المغرب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى قرارات شجاعة، وعمل جاد، ونتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.