القائد المفدّى، الذي خبر تقلّبات السياسة وممرّاتها، يستحضر أشخاصاً عارضوا الرسول ﷺ قبل إسلامهم، ثم أصبحوا من المدافعين عن الإسلام. وكأن التاريخ الإسلامي مستودعٌ للتشبيهات الجاهزة، تُستعار منه الرموز الدينية كلما احتاجت الانعطافات الحزبية إلى غطاءٍ أخلاقي.
لكن القياس هنا مختلّ من أساسه. فالتحوّل من معارضة الدعوة إلى الإيمان بها تحوّلٌ في العقيدة والقناعة، أما الانتقال من خصومة حزبية إلى تحالف حكومي فهو اختيار سياسي تحكمه البرامج والمصالح وتوازنات السلطة. لا يستقيم وضع الأمرين في كفّة واحدة، ولا استعارة الدلالة الأخلاقية لتحوّل ديني من أجل منح تحوّل سياسي مشروعيةً لا يكتسبها إلا بالحجة والبرنامج والممارسة.
فليس كل انتقالٍ اهتداءً، وليس كل تغييرٍ مراجعةً، وليس كل من غيّر موقفه شبيهاً بمن غيّروا مواقفهم في سياق الإيمان.
والسؤال الذي يظلّ قائماً، مهما تعدّدت التشبيهات: هل تغيّر الموقف السياسي لأن القناعات تغيّرت، أم لأن موقع السلطة أصبح أقرب؟
الدين ليس أداةً في يد الزعيم الحزبي، والسيرة النبوية ليست غطاءً أيديولوجياً يُستدعى كلما ضاقت الحجج. من أراد تبرير تحالفه، فليقدّم أسبابه السياسية، وليشرح ما تغيّر في البرامج والمواقف، بدل استعارة هالةٍ دينية لا تمنح التحالف حصانةً من المساءلة.
والحرباء، مع كامل الاحترام للحرباء، تغيّر لونها دون أن تلقي محاضرةً في فضائل التكيّف. أما في السياسة، فثمّة من لا يكتفي بتغيير اللون، بل يريد إقناعنا بأن تغيير اللون نفسه دليلٌ على عمق الرؤية!
أما الاتحاد الاشتراكي والأصالة والمعاصرة، فهنا تبدأ المفارقة السياسية التي لا يحسمها التشبيه.
فعبارة «تقاطعات جدية في القيم والاختيارات» لا تكفي وحدها لتجاوز اختلاف التاريخ والجذور. الأصالة والمعاصرة، الذي تأسّس سنة 2008 انطلاقاً من حركة لكل الديمقراطيين، نشأ في سياق سياسي أثار نقاشاً واسعاً حول طبيعة تأسيسه ودوره. أما الاتحاد الاشتراكي، فقد تشكّلت هويته عبر مسار من النضال الوطني واليساري، ومن صراعات سياسية واجتماعية ارتبطت بمطالب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
تاريخان مختلفان، وتجربتان لا تمحوهما عبارة عن التقاطعات، مهما كانت جدّية.
صحيح أن الحزبين نسّقا سياسياً في محطات سابقة، ومنها سنة 2016 حول ملفات انتخابية وبرلمانية. لكن التنسيق في ملفات محددة لا يعني التطابق في المشروع، كما أن التقارب الظرفي لا يفسّر وحده الانتقال إلى شراكة حكومية.
فما الذي تغيّر في المشروعين، لا في حسابات المواقع، حتى أصبح التقارب مدخلاً إلى المشاركة الحكومية؟
أين تنتهي التقاطعات البرنامجية، وأين تبدأ الضرورات الانتخابية؟ وما الضمانات التي تجعل الاتحاد شريكاً في صياغة القرار، لا مجرد اسم إضافي في تركيبة الأغلبية؟ ثم كيف سيشرح الحزب لمناضليه وللرأي العام هذا الانتقال، في ضوء مواقفه السابقة من الأصالة والمعاصرة؟
ليس العيب أن تتحالف اليوم مع من خاصمته بالأمس؛ فالسياسة ليست خصومةً أبدية، وتغيير المواقف ليس خطيئةً في حد ذاته. لكن المراجعة السياسية الحقيقية تقتضي تفسيراً واضحاً لما تغيّر، وما الذي بقي ثابتاً، وما الذي سيجنيه المواطن من هذا التحالف.
أما أن يُطلب من ذاكرة المناضلين أن تنحني كلما انعطفت حسابات القيادة، وأن يتحوّل تاريخ الاتحاد من مرجعية للمساءلة إلى أرشيفٍ ننتقي منه ما يخدم خطاب اللحظة، فذلك شأن آخر تماماً.
يا أيها القائد المفدّى، لا تُحمّل التاريخ الديني ما يجب أن تتحمّله أنت سياسياً. قدّم حجتك، واشرح تحوّلك، ودع البرنامج والمواقف والممارسة تتكفّل بالحكم على اختياراتك. فالمقدّس ليس أداةً لتسويغ التحالفات، وتاريخ الاتحاد ليس ملكاً لقيادته كي تعيد تأويله كلما تغيّرت وجهة الكرسي.
فالتحالف أيها القائد العظيم ،حقّ سياسي، أما تحويله إلى امتدادٍ للتاريخ الاتحادي فدعوى تحتاج إلى برهان. والكرسي، مهما اتّسع، لا يسع تاريخ حزبٍ كامل.






