رأي

منعم وحتي: مقامة المومياء المحنطة يساراً

في حكاية يسارٍ أقام في الكهوف، فأنكر على الأشجار أن تُثمر خارجها.


حدثنا عيسى بن يسار، وكان من شهود زمانٍ اختلط فيه اليسار باليسير، والجذر بالجُحر، والنضال بالنعيق، قال:

خرجتُ ذات صباحٍ أطلب خبر السياسة وأهلها، فإذا بي أمام كهفٍ مُغْبَرٍّ، على بابه لافتةٌ كُتب عليها: «هنا يقيم اليسار الجذري، حارسُ المبادئ، وخصيمُ المؤسسات، وعدوُّ كل شجرةٍ نبتت خارج الكهف».

فاستأذنتُ الدخول، فإذا القوم في مجلسٍ مهيب، يتذاكرون أمجاد الأمس، ويحصون خيبات اليوم، ويختلفون في عدد الثورات التي لم تقع، والمقاعد التي لم تُطلب، والانتخابات التي قاطعوها، ثم يتفقون جميعًا على أن سبب تعثر العالم وانهيار جدار برلين وسقوط السوفياتات وصراع جزيرة القرم هو ذلك اليسار الذي قرر أن ينزل إلى الشارع، ويخوض الانتخابات، ويدخل البرلمان، ويخاصم الفساد من داخل المؤسسات وخارجها.

وبينما أنا كذلك، إذ صاح صائحهم: «إن نائبتهم قد انحرفت عن جادة اليسار، لأنها وضعت أغلبية الحكومة في مواجهة خطاب الملك في افتتاح البرلمان"، وكالوا من السب والتجريح ما سنجادل قولا عل قول.

فقلتُ، وقد راعني منطقٌ يخاصم المعنى قبل أن يسمعه: «رويدكم يا أهل الكهف، أهذا قولٌ في السياسة أم امتحانٌ في الولاء؟ أتصير الكرامة الاجتماعية رجسًا إذا وردت في خطاب، وتصبح العدالة المجالية بدعةً إذا نطق بها غيركم، ويغدو الاهتمام بالشباب تهمةً إذا وافقتم عليه مع خصمٍ لإقامة الحجة وإشهاد الشهود ورقنه في صحيفة المحاسبة وتوثيقه في باب محاججة مستقبل الأفعال.

فانتفض كبيرهم وقال: «إننا لا نساوم على المبادئ!».

قلت: «وما طلب منكم أحدٌ أن تساوموا؛ إنما سُئلتم: كيف تُحوّلون المبادئ إلى قوةٍ تغيّر الواقع؟ فليس كل من دخل مؤسسةً دخلها مستسلمًا، ولا كل من قاطع بابًا صار مفتاحًا للأبواب الأخرى. وقد يكون المرء خارج البرلمان أسيرَ مقعدٍ وهمي، وقد يكون داخله خصمًا عنيدًا لحكومةٍ مدعية».

ثم أخرجتُ من جرابي خبرًا عن تصريح نائبة تحالف اليسار، فإذا هي لا تمدح خطابًا ولا تمنح صكَّ براءةٍ لحكومة، بل تضع الأغلبية أمام امتحان التزاماتها: إن كانت الكرامة الاجتماعية والعدالة المجالية والاهتمام بالشباب قد صارت عناوينَ معلنة، فأين برامجها؟ وأين ميزانياتها؟ وأين أثرها في حياة الناس؟

وهنا انكشف لي سرُّ الحكاية: لقد قرأ أهل الكهف كلمة «يتقاطع» كما يقرأ الحارس كلمة «اقتحام»؛ فحسبوا التقاطع اصطفافًا، والمساءلة مبايعةً، واستعمالَ الخطاب حجةً على الحكومة تصفيقًا للحكومة!

يا للعجب! إن من يضع الحكومة أمام تناقضها لا يكون بالضرورة حليفًا لها، كما أن من يرفع شعار الثورة لا يصبح بمجرد رفعه صانعًا لها.

وليس اليسار الذي يخوض الانتخابات، وينال ثقة الناخبين، ويجتهد في محاربة الفساد والدفاع عن التعليم والصحة والشغل وحقوق النساء والشباب، أقلَّ جذريةً من يسارٍ جعل المقاطعة مذهبًا، والتخوين حرفةً، وشتم المخالف برنامجًا انتخابيًا دائمًا لا يحتاج إلى صناديق اقتراع.

ولقد رأيتُ في هذا الزمان عجبًا: قومًا يطالبون بتغيير المجتمع، فإذا تحرك المجتمع خارج خرائطهم اتهموه بالانحراف؛ ويدعون إلى تحرير الإنسان، فإذا اختار الإنسان طريقًا غير طريقهم صادروا عنه حق الاختيار؛ وينشدون من معبد آمون عمال اليسار، ثم يخاصمون كل تجديدٍ كأنما أفكارهم وديعةٌ في متحف، لا يجوز الاقتراب منها إلا بخشوع الزائرين.

وما الجذرية، يا سادة، أن تتشبث بالجذر حتى تختنق الشجرة؛ إنما الجذرية أن تضرب الجذور عميقًا في الأرض، وأن تصعد بالفكرة إلى الضوء، وأن تحمل الأغصان ثمرًا يأكله الناس، لا أن تظل تتباهى بعمقها فيما الأرض من فوقها تنتظر المطر.

أما تحالف اليسار، وقد اختار الاشتباك مع الواقع، والانفتاح على المجتمع، والدفاع عن الملكية البرلمانية بوضوح من يشرع ومن ينفذ ومن نحاسب، وخوض معركة المؤسسات من أجل توسيع الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فإن نجاحه لا يُعفيه من النقد، ولا يمنحه عصمةً سياسية، لكنه يجعل نقده واجبًا على أساس المواقف والنتائج، لا على أساس محاكم التفتيش في النوايا.

وإن وصول ثمانية من مرشحيه إلى البرلمان، وبينهم ست نساء، ليس نهاية الطريق ولا شهادةً بالكمال؛ لكنه، في حساب السياسة، دليلٌ على أن العمل وسط المجتمع قد يفتح أبوابًا لا تفتحها خطب الكهوف، وأن النضال حين يلتقي بثقة الناس يصبح مسؤوليةً مضاعفة، لا تهمةً تستوجب الاعتذار.

ثم قلتُ مودعًا مجلسهم: «إن أخطر ما يصيب اليسار ليس أن يختلف في تقدير خطابٍ أو تكتيك، بل أن يتحول الاختلاف إلى احتكارٍ للحقيقة، وأن يصبح الماضي حارسًا على المستقبل، وأن تُقاس نقاوة الفكرة بمقدار ابتعادها عن الناس، لا بمقدار ما تمنحه لهم من أملٍ وحقوق».

فخرجتُ من الكهف، وإذا بصوت ينادي من خلفي، التفت فإذا بها مومياء محنطة تصرخ: «لقد تخلى عن الجذرية!».

فرددت بحزم: «بل أخشى أنكم تخليتم عن الشجرة، ثم صرتم تتخاصمون مع كل من يسقيها».


التفت بإطلالة أخيرة على الكهف فإذا بي ألمح لينين متأبطا ألواحا خشبية ومسامير هندية وهو منهمك بإغلاق منافذ هذا الغار المتكلس، وعلى جانبه خطاطة هندسة الإيصاد كما هي مرسومة في اللوح المحفوظ لكتابه حول اليسار الطفولي.. أكملت المسير إلى الأمام.. أمامٌ منير لظلام الكهوف بالشموع ويحمل رسالة الأمل في المستقبل.. وقد سقطت النجمة الحمراء متهاوية من عل، على صوت عبد الوهاب وهو يشدو "لم أجد في الأفق نجما واحدا يرنو إلي".


سلامٌ على يسارٍ يجعل من المبادئ بوصلةً لا قيدًا، ومن المؤسسات ساحةَ صراعٍ لا محرابَ طاعة، ومن الاختلاف بابًا للنقد لا ذريعةً للتخوين؛ أما من اتخذ الكهف وطنًا، ثم لام الأشجار على أنها لا تنمو في الظلام، فله أن يواصل حراسة صخور المعبد، وللناس أن يواصلوا البحث عمّن يزرع لهم غدًا.

فليس كلُّ من هتف بالجذر قد أنبت شجرة، وليس كلُّ من دخل البرلمان قد باع القضية؛ إنما يُعرف اليسار بالتزامه بما يغيّر إيجابا في حياة الناس، لا بعدد المرات التي يعلن فيها أنه اليسار الوحيد والأوحد والذي لاشريك له.