قضايا

تبون وأكذوبة “61 مخربا مغربيا” في الجزائر

سعيد بوعيطة (أستاذ باحث)

في الحادي عشر من شهر أكتوبر الجاري (2026)، لم يجد قصر المرادية حرجا في تقديم سردية جديدة مزيفة كعاداته، زعم من خلالها اعتقال 61 مواطناً مغربياً بمدينة وهران التي تبعد عن الحدود المغربية بحوالي 267 كلم تقريبا، بدعوى التخطيط لأعمال تخريبية. مما يثير العديد من علامات الإستفهام بشأن خلفيات وتوقيت هذه السردية والغاية من الترويج لها في هذا الوقت بالذات. علما بأن هناك غياب تام للتفاصيل الكافية بشأن طبيعة المخطط المزعوم (مخطط الأعمال التخريبية)، والأدلة التي تستند إليها السردية الرسمية التي تنأى عن العقل والمنطق. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هو كالتالي: لماذا تمت فبركة هذه السردية من قبل قصر المرادية في هذا التوقيت بالضبط؟

 

توقيت سردية المرادية المفبركة

 

يكتسب توقيت فبركة سردية المرادية هذه أهميته من كونه يأتي بعد القرار المغربي السيادي القاضي، وفق المعطيات المتداولة، بعدم السماح للمواطنين الجزائريين بالسفر إلى المغرب ابتداءً من 16 شتنبر 2026، ما لم يكونوا حاملين لبطاقة إقامة مغربية سارية المفعول، مع تشديد إجراءات التحقق من الوثائق قبل السفر. وفي هذا السياق، قد تكون هذه السردية عبارة عن رد فعل سياسي وإعلامي على القرار المغربي، وتحويل مسألة تتعلق بإجراءات قانونية بخصوص الدخول إلى التراب المغربي، إلى قضية أمنية ذات وقع أكبر على الرأي العام الجزائري. لكن على الرغم من تزامن الحدثين، فإن ذلك لا يكفي وحده لإثبات وجود رابط مباشر بينهما، بقدر ما يضع هذا الحدث في سياق سياسي، يجعل من الضروري التعامل مع سردية المرادية بحذر وتحليل شديدين، وعدم فصلها عن مناخ التصعيد الذي يطبع العلاقات الثنائية.

 

كما تأتي هذه السردية في مرحلة إقليمية حساسة، تتقدم فيها قضية الصحراء المغربية إلى واجهة التحركات الدبلوماسية بشكل إيجابي ناجح، بالتزامن مع اقتراب مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة من حسم هذا الملف. ومن ثم، فإن توقيت فبركة هذه السردية، يثير تساؤلات حول احتمال توظيف القضية في سياق الصراع السياسي والإعلامي بين البلدين، بهدف التشويش على سير القضية.

 

أما إقحام المغرب في مخطط تخريبي مزعوم داخل الجزائر، فلا يستقيم منطقياً بمجرد الإعلان عن توقيف مواطنين يحملون الجنسية المغربية. لأن المسؤولية الجنائية للأفراد لا تتحول تلقائياً إلى مسؤولية دولة. وحتى إذا افترضنا جدلا صحة سردية المرادية، فإن إثبات وجود هذا المخطط لا يعني، في حد ذاته، ثبوت أي صلة بمؤسسات الدولة المغربية. كما أن تحميل الدولة المغربية مسؤولية عملية من هذا النوع، من دون تقديم أدلة تثبت وجود توجيه رسمي أو ارتباط مؤسسي، يزيد هذا السردية زيفا عند وضعها في سياق الخيارات الاستراتيجية التي ينهجها المغرب، والذي يواصل الاستثمار في المسار الدبلوماسي لتعزيز مواقفه بشأن قضية الصحراء المغربية، والتوسيع المتزايد لدائرة الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي. وفي المقابل، فإن تحويل هذه السردية إلى مادة للتعبئة ضد المغرب، قد يخدم منطق المواجهة الإعلامية فحسب، لكنه لا يشكل دليلاً على صحة ما يذهب إليه قاطني المرادية ومن يدور في فلكهم.

 

زيف سردية المرادية

 

إذا حاولنا التركيز على سردية المرادية من باب التمحيص والفهم العميق، أو كما يقول المثل الشعبي المغربي ئتبع الكذاب حتى لباب الدار ،حتى يسقط القناع ويفتضح أمر الكذاب، فإننا نحدد من جهة نظرنا أربعة فرضيات محورية، تؤكد زيف هذه السردية، وتدحض مصداقيتها، ونسوقها كالتالي: 1. إذا افترضنا جدلا أن هؤلاء المغاربة (61 مغربي)، دخلوا التراب الجزائري من أجل التخريب (حسب سردية المرادية)، فلماذا سافروا إلى تونس جوا، ثم دخلوا التراث الجزائري برا، وتوغلوا في التراب الجزائري حتى مدينة تلمسان التي تبعد عن الحدود التونسية بما يقارب 1000 كلم، في حين يمكن لهؤلاء أن يقوموا بأعمال التخريب في المدن الجزائرية القريبة من الحدود التونسية، مثل: سوق أهراس، تيبسة، خنشلة، أم البواقي… الخ. وهذا هو المنطقي وليس العكس،

2. إذا افترضنا جدلا بوجود نية التخريب (حسب سردية المرادية)، فكيف قطع هؤلاء جميعا (61 مغربي) ما يفوق 1000 كلم (من الحدود التونسية إلى مدينة وهران)، دون مراقبة أو ملاحظة من قبل الأمن الجزائري،

 

3. إذا افترضنا جدلا بوجود نية التخريب (حسب سردية المرادية)، لماذا لم يدخل هؤلاء المغاربة من الحدود المغربية الجزائرية مباشرة دون السفر إلى تونس. وإذا كانت سلطات الجزائر قد تحدثت في سرديات سابقة عن دخول أطنان من المخدرات من المغرب عبر هذه الحدود، فمن السهل إدخال 61 شخص، زيادة على أن مدينة وهران لا تبعد عن الحدود المغربية إلا بحوالي 267 كلم، وهي أقصر من المسافة بين تونس ووهران بشكل كبير

 

،4. إذا افترضنا جدلا بوجود نية التخريب (حسب سردية المرادية)، فلماذا كشفت تفاصيل هذه السردية عن وجود جندي متقاعد واحد فقط، والباقي عبارة عن مدنيين. لماذا لا يكون الواحد والستون كلهم جنود، على اعتبار أن الجنود هم أكثر خبرة من المدنيين.

 

تؤشر هذه الفرضيات وغيرها، على زيف سردية المرادية وبعدها عن الصحة والمنطق، على الرغم من أن المرادية ”جيشت لها صحافتها التي لا علاقة لها بالعمل الصحافي الحر، وذبابها الإلكتروني الذي ينتشر في كل مكان. لهذا، لا يسعنا أمام سردية المرادية الزائفة، أن نقول ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت فإن كلمته فرجت عنه وإذا خليته، كمدا يموت.